وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم) بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين , وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين , ونصر للمؤمنين , كما تذكره (صلوات الله وسلامه عليه) بأن ما عليه إلا البلاغ .وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله , وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب , ومصير أهل الإيمان والتقوى , وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية , وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل , ولكن الذين كفروا لا يؤمنون , فالله (تعالى) قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون .
وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم) بوصية من الله (تعالى) له بالصبر على استخفاف الكفار والمشركين بدعوته , والاطمئنان بأن وعد الله حق , وهو واقع لا محالة .والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها , ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها , ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير: أدني الأرض , وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه .
وثمة حدث ثالث يفهم من سياق هذه الآيات الشريفة كان مبعث فرح المسلمين وهو انتصارهم علي مشركي قريش في غزوة بدر التي وقعت في يوم الجمعة17 رمضان من العام الثاني الهجري (أي سنة624 م) .وجاء في صفوة التفاسير ما نصه : (غلبت الروم في أدنى الأرض) أي هزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلي فارس (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس , وينتصرون عليهم (في بضع سنين) أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام; والبضع ما بين الثلاث والتسع .وأشار صاحب صفوة التفاسير (جزاه الله خيرا) إلي أقوال المفسرين السابقين وعلق علي قوله (تعالى): (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) ما نصه: وقد التقي الجيشان في السنة السابعة من الحرب , وغلبت الروم فارس وهزمتهم , وفرح المسلمون بذلك; قال أبو السعود : وهذه الآيات من البينات الباهرة , الشاهدة بصحة النبوة , وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير , ووقع كما أخبر , وقال البيضاوي: والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب .وأضاف صاحب صفوة التفاسير في شرح قول الحق (تبارك وتعالى) : " وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ " (الروم:1-5) ما نصه : وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر; قال ابن عباس: كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان , وعبدة النيران .ويوم بدر وقع في السنة الثانية من الهجرة (الموافق سنة 624م) , وعلي ذلك فإن هزيمة الروم علي أيدي الفرس لابد وأنها كانت قد وقعت في حدود سنة 614م إلى 615م .
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام (علي واضعه رحمة الله) ما نصه:وعندما تولي هرقل عرش الروم سنة 610م (وهي سنة البعثة المحمدية) كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة 613م عند أنطاكية , واستولوا علي فلسطين والقدس سنة 614م , وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة 618م أو 619م , وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة 622م , وفي سنة 627م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوى , واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر , وفي سنة 630م استعاد بيت المقدس .
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم/مصر=45 م تحت مستوي سطح البحر .ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار , وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف , ويعتقد انه كان جافا إلي عهد غير بعيد من تاريخه , وكان عامرا بالسكان , وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة , ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم بحيرة لوط بحيرة زغر , البحر النتن , بحر عربة , بحر الأسفلت والبحر الميت , وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها , ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم , واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط (عليه السلام) الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي: سدوم , وعمورة , وأدمة , وصوبييم , وزغر , وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق (تبارك وتعالى) : " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ "(هود:82) .والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة , وبتفجر كل من العيون المائية , والأبخرة الكبريتية الحارة فيها , وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحر الميت إلي عهد غير بعيد .
وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق , فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد على أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق , وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .








