سورة الزمر للشيخ خالد الجليل

MultiHoster

الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خير خلق الله

بفضل الله تم الانتهاء من الفيلم الوثائقي القصير * قصة زواج * ويعتبر من أقوي الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

 

فيا أنصار رسول الله فلنتعاون جميعا على الدفاع عن رسول الله و ننشر الفيديو على أوسع نطاق

 

 

 

قناة موقع نصرة رسول الله على اليوتيوب

To say that something is wrong or not, you have to say it is wrong because of what; because it is violating what.

Please check this video to know the truth about Prophet Mohammad & Aisha's Marriage.

 

If you want to read the perfect love story, I recommend that you don't read "Romeo and Juliet" but Read the story of Muhammad and Aisha, in the very words of Aisha herself explaining how beautiful this relationship was between her and Prophet Muhammad (PBUH)

 

            

Sponsored by 
Khalifa Al Hammadi
 
لمن يريد رعاية انتاج الأفلام الوثائقية بموقع نصرة رسول الله  الرجاء مراسلة
 

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

" الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ .‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ " ‏(الروم‏:1-4).

بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2002-01-28

هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم‏ ,‏ وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة‏ ,‏ شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي‏ .‏ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وبوحدة الرسالة‏ ,‏ ووحدة الخلق‏ ,‏ والإيمان بالآخرة وأهوالها‏ ,‏ ومنها هول البعث‏ ,‏ وهول الحساب‏ ,‏ وهول الميزان‏ ,‏ وهول الصراط‏ ,‏ وحتمية الجزاء‏ ,‏ وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات‏ .‏ وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله‏ ,‏ وتنزيهه وحمده‏ ,‏ وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه‏ ,‏ وعدل قضائه‏ .وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف‏ ,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده دينا سواه‏ ,‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله‏ (تعالى‏)‏ الناس عليها‏ ,‏ والتي لا تبديل لها‏ ,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏ ,‏ وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه‏ ,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏ ,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله‏ ,‏ لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏ ,‏ وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم‏ ,‏ وكل حزب منهم فرح بما لديه‏ .وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏ ,‏ والذي لا تستقيم معه الحياة السوية‏ ,‏ مثل اللجوء إلي الله تعالى في الشدة‏ ,‏ والإعراض عنه في الرخاء‏ ,‏ والإيمان به‏ (تعالى‏)‏ في لحظات الضيق‏ ,‏ والشرك أو الكفر به‏ (تعالى‏)‏ وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة‏ ,‏ وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏ .‏ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة‏:‏ الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربى‏ ,‏ والمساكين وأبناء السبيل‏ ,‏ والنهي عن أكل الربا‏ ,‏ علي أن ينطلق ذلك كله من الإيمان بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الخالق‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ المحيي‏ ,‏ المميت‏ ,‏ وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم‏ ,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين‏ ,‏ومصائر الظالمين‏ .‏وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ضرورة الاستقامة على الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله‏ .‏
ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية‏ :‏خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وخلق الأحياء‏ ,‏ وخلق الإنسان‏ ,‏ كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده‏ (سبحانه‏)‏ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم‏ ,‏ وإعطاء الإنسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار‏ ,‏ وعلي ابتغاء فضل الله‏ ,‏ ومن آياته الرعد والبرق‏ ,‏ وإنزال المطر‏ ,‏ وإحياء الأرض بعد موتها‏ ,‏ وقيام السماوات والأرض بأمره‏ ,‏ وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره‏ ,‏ وبعث الموتى بأمره‏ ,‏ وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض‏ .‏ومن آياته إرسال الرياح برحمة منه وفضل‏ ,‏ وجري الفلك بأمره‏ ,‏ وإثارة السحاب‏ ,‏ وما يستتبعه من أحداث بأمره‏ ,‏ ومرور كل حي بمراحل من الضعف‏ ,‏ ثم القوة‏ ,‏ ثم الضعف والوفاة‏ ,‏ ومن آياته أنه يحيي الموتى وأنه علي كل شيء قدير‏ .‏
وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين‏ ,‏ ونصر للمؤمنين‏ ,‏ كما تذكره‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ بأن ما عليه إلا البلاغ‏ .‏
وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله‏ ,‏ وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب‏ ,‏ ومصير أهل الإيمان والتقوى‏ ,‏ وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية‏ ,‏ وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل‏ ,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون‏ ,‏ فالله‏ (تعالى‏)‏ قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏ .‏
وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏ (تعالى‏)‏ له بالصبر على استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏ ,‏ والاطمئنان بأن وعد الله حق‏ ,‏ وهو واقع لا محالة‏ .‏
والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها‏ ,‏ ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها‏ ,‏ ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير‏:‏ أدني الأرض‏ ,‏ وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه‏ .‏
أدني الأرض في اللغة العربية :يقال في اللغة‏: (دنا‏) (يدنو‏) (دنوا‏)‏ بمعني قرب بالذات أو بالحكم‏ ,‏ ويستعمل في المكان‏ ,‏ والزمان‏ ,‏ والمنزلة‏ ,‏ كما يتعدى فيقال‏ (أدنى‏) (يدني‏) (إدناءة‏) ,‏ ويقال‏: (دانيت‏)‏ أو‏ (أدنيت‏)‏ بين الأمرين أي قاربت بينهما‏ ,‏ حتى صارت بينهما‏ (دناوة‏)‏ أي‏:‏ قرب أو قرابة‏ . .‏ و‏(‏الدنى‏)‏ القريب‏ ,‏ و‏(‏الدنئ‏)‏ بمعني الدون‏ ,‏ الخسيس‏ ,‏ وقد‏ (دنأ‏ -‏ يدنأ‏) ,‏ وفيهما‏ (دناءة‏) ,‏ ويقال ‏: (دنؤ‏)‏ بمعني انحط‏ ,‏ و‏(‏الدنيئة‏)‏ هي النقيصة‏ .‏قال‏ (تعالى‏) : " وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ " (الأنعام‏:99) .وقال‏ (سبحانه‏) :‏ " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " (النجم‏:9,8)‏ .وفي الحديث الشريف‏:‏ " إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم‏ " .‏ ويعبر بـ‏ (الأدنى‏)‏ تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد‏ (أو الأقصى‏)‏ من مثل قوله‏ (تعالى‏) : " إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ القُصْوَى " (الأنفال‏:42)‏ .وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض‏ (أو الأحقر‏)‏ فيقابل بالأعلى‏ (أو الأعز‏)‏ وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ " (الأحزاب‏:59)‏ .وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر‏ ,‏ من مثل قوله‏ (تعالى‏) : " وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ " (المجادلة‏:7) .وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير‏ ,‏ وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ " (البقرة‏:61)‏ .وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي‏ (الدنيا‏)‏ في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ " (آل عمران‏:152) .وسميت‏ (الدنيا‏)‏ بهذا الاسم لدنوها‏ ,‏ والجمع‏ (الدنا‏) ,‏ وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين‏ ,‏ والنسبة إليها‏ (دنياي‏) ,‏ وقيل‏ (دنيوي‏)‏ ودني‏ ,‏ ويقال‏: (تدني‏)‏ فلان أي‏ (دنا‏)‏ قليلا قليلا‏ ,‏ و‏(‏تدني‏)‏ المستوي بمعني هبط‏ ,‏ و‏(‏تدانوا‏)‏ أي‏ (دنا‏)‏ بعضهم من بعض‏  .‏ 
شروح المفسرين : في تفسير قوله تعالى ‏:‏ " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . ‏فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . ‏فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم‏:1-‏5) .ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ قول ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ حيث قال‏ :‏ كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان‏ ,‏ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس‏ ,‏ لأنهم كانوا من أهل الكتاب‏ ,‏ فذكر ذلك لأبي بكر‏ (رضي الله عنه‏) ,‏ فذكره أبو بكر لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "‏ أما إنهم سيغلبون ‏" ,‏ فذكره أبو بكر للمشركين‏ ,‏ فقالوا‏:‏ اجعل بيننا وبينك أجلا‏ ,‏ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا‏ ,‏ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا‏ ,‏ فجعل أجل خمس سنين‏ ,‏ فلم يظهروا‏ ,‏ فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فقال ‏: "‏ ألا جعلتها إلى دون العشر؟ ‏" ,‏ ثم ظهرت الروم بعد‏ ,‏ قال فذلك قوله تعالى‏: " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . ‏فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " (الروم‏:1-‏5) .‏وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق‏ ,‏ وابن مسعود‏ ,‏ وعكرمة‏ (رضي الله عنهم أجمعين‏)‏ في المعني نفسه‏ ,‏ وزاد قوله‏:وأما الروم فهم من سلالة العيصبن إسحاق بن إبراهيم‏ ,‏ ويقال لهم بنو الأصفر‏ ,‏ وكانوا علي دين اليونان‏;‏ واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك‏ ,‏ وكانوا يعبدون الكواكب السيارة‏ ,‏ وهم الذين أسسوا دمشقوبنوا معبدها‏ ,‏ فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح‏ (عليه السلام‏)‏ بنحو من ثلاثمائة سنة‏ ,‏ وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له‏ (قيصر‏);‏ فكان أول من دخل في دين النصارى من الروم‏ (قسطنطين‏);‏ وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها‏  ,‏ واستمروا علي النصرانية‏ ,‏ كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم‏ (هرقل‏)  ,‏ فناوأه كسري ملك الفرس‏ ,‏ وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر‏ ,‏ وكانوا مجوسا يعبدون النار‏ ,‏ فتقدم عن عكرمة‏ (رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏:‏ بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه‏ ,‏ والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره‏ ,‏ وكسره وقصره حتى لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه‏ ,‏ ولم يقدر كسري علي فتح البلدة‏ ,‏ ولا أمكنه ذلك لحصانتها‏ ,‏ لأن نصفها من ناحية البر‏ ,‏ ونصفها الآخر من ناحية البحر‏ ,‏ فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك‏ ,‏ ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع‏ ,‏ فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع‏ .‏وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ (يرحمهما الله‏)‏ كلاما موجزا في المعني نفسه‏ ,‏ وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني‏ (في أدني الأرض‏)‏ أن المقصود به‏:[‏ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة‏ ,‏ التقي فيها الجيشان‏ ,‏ والبادي بالغزو‏ (هم‏)‏ الفرس‏ .] .‏وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه ‏:‏ ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين‏  ,‏ وأضاف رواية عبد الله بن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة‏ ,‏ تتفق كلها في المعني والدلالة‏ ,‏ وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير‏ .‏وجمع الكاتب‏ (رحمه الله‏)‏ من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها‏ :‏ الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان‏;‏ ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر‏ (رضي الله عنه‏)‏ في غير تلعثم ولا تردد‏ ,‏ والمشركون يعجبون من قول صاحبه‏ ,‏ فما يزيد علي أن يقول‏:‏ صدق‏ ,‏ ويراهنونه فيراهن وهو واثق‏ ,‏ ثم يتحقق وعد الله‏ ,‏ في الأجل الذي حدده‏:‏ في بضع سنين‏ .والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله‏ ,‏ في هذا الحادث وفي سواه‏ ,‏ وتقرير هذه الحقيقة الكلية‏ ,‏ لتكون ميزان الموقف‏ ,‏ وميزان كل موقف‏ ,‏ فالنصر والهزيمة‏ ,‏ وظهور الدول ودثورها‏ ,‏ وقوتها وضعفها‏ ,‏ شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال‏ ,‏ مرده كله إلي الله‏ .‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه ‏:‏ احتربت الفرس والروم فيما بين أذرعات وبصري من أرض الروم يومئذ‏ ,‏ وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلي مكة‏ ,‏ وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين‏ ,‏ وقيل بست‏ .‏ فظهر الفرس علي الروم‏ ,‏ فلما بلغ الخبر مكة شق علي المؤمنين‏ ,‏ لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب‏ ,‏ والروم أهل كتاب‏;‏ وفرح المشركون وقالوا‏:‏ أنتم والنصارى أهل كتاب‏ ,‏ ونحن والفرس أميون‏ ,‏ وقد ظهر إخواننا علي إخوانكم‏ ,‏ ولنظهرن نحن عليكم‏ ,‏ فنزلت الآية وفيها‏:‏ أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين‏ .‏والبضع ‏:‏ ما بين الثلاث إلي التسع و‏(‏غلبهم‏)‏ كونهم مغلوبين‏ .‏وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏:‏ غلبت فارس الروم في أقرب الأرض من العرب‏ ,‏ وهي أطراف الشام‏ ,‏ وهم بعد انهزامهم سيغلبون الفرس‏ ,‏ قبل أن تمضي تسع سنوات‏ . .‏ وكان المشركون قد فرحوا بانتصار فارس‏ ,‏ وقالوا للمسلمين‏:‏ سنغلبكم كما غلبت فارس الروم التي هي من أهل الكتاب‏ . .‏ وقد حقق الله وعده فانتصر الروم علي فارس في الأجل الذي سماه‏ ,‏ فكان ذلك آية بينة علي صدق محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في دعواه وصحة ما جاء به‏ .‏وجاء في الهامش التعليق التالي‏:‏ في هذه الآيات الشريفة إشارة إلي حدثين ‏:‏ كان أولهما قد وقع بالفعل‏ ,‏ وأما الثاني فلم يكن قد وقع بعد‏ ,‏ وهو إخبار عن الغيب‏ , (وحدد لوقوعه بضع سنين فيما بين الثلاث والتسع‏) .‏وتفصيل الحدث الأول أن الفرس والبيزنطيين قد اشتبكوا في معركة في بلاد الشام علي أيام خسرو أبرويز أو خسرو الثاني عاهل الفرس المعروف عند العرب بكسري‏ .‏ وهيراكليوسالصغير الإمبراطور الروماني المعروف عند العرب بهرقل‏;‏ ففي عام‏614‏ م استولي الفرس علي أنطاكية أكبر المدن في الأقاليم الشرقية للإمبراطورية الرومانية‏ ,‏ ثم علي دمشق‏ ,‏ وحاصروا مدينة بيت المقدس إلي أن سقطت في أيديهم وأحرقوها ونهبوا السكان وأخذوا يذبحونهم‏ .‏وتفصيل الحدث الثاني أن هرقل قيصر الروم الذي مني جيشه بالهزيمة لم يفقد الأمل في النصر‏ ,‏ ولهذا أخذ يعد نفسه لمعركة تمحو عار الهزيمة‏ ,‏ حتى إذا كان عام‏622‏ الميلادي‏ (أي العام الهجري الأول‏)‏ أرغم الفرس علي خوض معركة علي أرض أرمينيا وكان النصر حليف الروم‏ ,‏ وهذا النصر كان فاتحة انتصارات الروم علي الفرس‏  ,‏ فتحققت بشري القرآن‏ .
وثمة حدث ثالث يفهم من سياق هذه الآيات الشريفة كان مبعث فرح المسلمين وهو انتصارهم علي مشركي قريش في غزوة بدر التي وقعت في يوم الجمعة‏17‏ رمضان من العام الثاني الهجري‏ (أي سنة‏624‏ م‏) .‏
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه ‏: (غلبت الروم في أدنى الأرض‏)‏ أي هزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلي فارس‏ (وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏)‏ أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس‏ ,‏ وينتصرون عليهم‏ (في بضع سنين‏)‏ أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام‏;‏ والبضع ما بين الثلاث والتسع‏ .‏وأشار صاحب صفوة التفاسير‏ (جزاه الله خيرا‏)‏ إلي أقوال المفسرين السابقين وعلق علي قوله‏ (تعالى‏): (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)‏ ما نصه‏:‏ وقد التقي الجيشان في السنة السابعة من الحرب‏ ,‏ وغلبت الروم فارس وهزمتهم‏ ,‏ وفرح المسلمون بذلك‏;‏ قال أبو السعود‏ :‏ وهذه الآيات من البينات الباهرة‏ ,‏ الشاهدة بصحة النبوة‏ ,‏ وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير‏ ,‏ ووقع كما أخبر‏ ,‏ وقال البيضاوي‏:‏ والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب‏ .‏وأضاف صاحب صفوة التفاسير في شرح قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : " وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ " (الروم‏:1-‏5)‏ ما نصه ‏:‏ وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر‏;‏ قال ابن عباس‏:‏ كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان‏ ,‏ وعبدة النيران‏ .‏ويوم بدر وقع في السنة الثانية من الهجرة‏ (الموافق سنة ‏624‏م‏) ,‏ وعلي ذلك فإن هزيمة الروم علي أيدي الفرس لابد وأنها كانت قد وقعت في حدود سنة ‏614‏م إلى ‏615‏م‏ .‏
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام‏ (علي واضعه رحمة الله‏)‏ ما نصه‏:وعندما تولي هرقل عرش الروم سنة ‏610‏م‏ (وهي سنة البعثة المحمدية‏)‏ كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة ‏613‏م عند أنطاكية‏ ,‏ واستولوا علي فلسطين والقدس سنة ‏614‏م‏ ,‏ وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة ‏618‏م أو ‏619‏م‏ ,‏ وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة ‏622‏م‏ ,‏ وفي سنة ‏627‏م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوى‏ ,‏ واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر‏ ,‏ وفي سنة ‏630‏م استعاد بيت المقدس‏ .‏


ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية علي أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة ‏614‏م إل‏615‏م‏ ,‏ وأن استعادتهم النصر علي الفرس كانت في حدود سنة‏624‏ م‏ ,‏ واستمر تقدم الروم علي أرض الفرس حتى تم لهم استعادة بيت المقدس‏ .‏وواضح من شروح المفسرين أن المقصود بالتعبير القرآني في أدني الأرض الذي يصف أرض المعركة التي تمت فيها هزيمة الروم أمام جحافل جيش الفرس هو أقرب الأرض إلي مكة المكرمة أو إلي الجزيرة العربية أو إلي أرض الفرس‏ . .‏ ولكن الدراسات الحديثة تؤكد أن منطقة حوض البحر الميت‏ ,‏ بالإضافة إلي كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلي الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلي حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوي سطح البحر‏ ,‏ وان هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين إمبراطوريتي الفرس والروم‏ ,‏ وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس علي جيوش إمبراطورية روما الشرقية‏ (الإمبراطورية البيزنطية‏)‏ لابد أنها وقعت في حوض البحر الميت‏ ,‏ وأن الوصف بأدنى الأرض هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية‏ ,‏ يعني أيضا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ وهذه الإشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله‏ ,‏ لأن أحدا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ .‏
أدنى الأرض في العلوم الحديثة :ثبت علميا بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحر الميت‏ ,‏ ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضا‏ ,‏ حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ وهو بحيرة داخلية بمعني أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءا من اليابسة‏ .‏وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا‏ ,‏ فالحدود الجنوبية لتركيا‏ ,‏ مرورا بالبحر الأحمر‏ ,‏ وخليج العقبة‏ ,‏ ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي‏ ,‏ وبحر العرب وخليج عدن‏ ,‏ ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن حوالي الستمائة كيلومتر‏ ,‏ ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال‏ ,‏ ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا‏ .‏ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلي‏402‏ مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين‏:‏ الأحمر والأبيض المتوسط‏ ,‏ وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية ‏:‏ منسوب سطح الأرض في وادي عربة‏=355‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب أعمق نقاط قاع البحر الميت‏=794‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الماء في البحر الميت‏=402‏ تحت مستوي سطح البحر‏ .‏مستوى سطح الأرض في غور الأردن‏=212‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا‏=209‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب قاع بحيرة طبريا‏=252‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصر الغربية‏=133‏م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت‏/‏ كاليفورنيا‏=86‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم‏/‏مصر‏=45‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار‏ ,‏ وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف‏ ,‏ ويعتقد انه كان جافا إلي عهد غير بعيد من تاريخه‏ ,‏ وكان عامرا بالسكان‏ ,‏ وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة‏ ,‏ ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم بحيرة لوط بحيرة زغر‏ ,‏ البحر النتن‏ ,‏ بحر عربة‏ ,‏ بحر الأسفلت والبحر الميت‏ ,‏ وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها‏ ,‏ ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم‏ ,‏ واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط‏ (عليه السلام‏)‏ الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي‏:‏ سدوم‏ ,‏ وعمورة‏ ,‏ وأدمة‏ ,‏ وصوبييم‏ ,‏ وزغر‏ ,‏ وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ "(‏هود‏:82)‏ .والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة‏ ,‏ وبتفجر كل من العيون المائية‏ ,‏ والأبخرة الكبريتية الحارة فيها‏ ,‏ وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحر الميت إلي عهد غير بعيد‏ .‏
وقرى قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي‏25‏ مليون سنة مضت‏ ,‏ ولكن بعد تدميرها بالعقاب الإلهي دخلت المنطقة برحمة من الله‏ (تعالى‏)‏ في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط‏ ,‏ وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة‏ .‏وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة‏ ,‏ وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية‏ ,‏ وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده‏ ,‏ ولابد أن كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار‏ ,‏ وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم ـ في أول الأمر بأدنى الأرض ـ وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر إلى الإعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي فبالإضافة إلي ما جاء بتلك الآيات من إعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب‏ ,‏ وحدد لوقوعه بضع سنين‏ ,‏ فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة‏ ,‏ فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا‏ ,‏ يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ .‏
وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق‏ ,‏ فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد على أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏ .‏
وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية‏ ,‏ أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصرى من أرض الشام‏ ,‏ أو علي أرض أنطاكية‏ ,‏ أو علي أرض دمشق‏ ,‏ أو أرض بيت المقدس‏ ,‏ أو أرض مصر‏ (الإسكندرية‏)‏ أن يعيدوا النظر في استنتاجاتهم‏ ,‏ لأن القرآن الكريم يقرر أن هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن التي أثبت العلم أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدنى الأرض انطباقا تاما ودقيقا‏ .‏
وعلى الذين قالوا إن معنى أدنى الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس‏ ,‏ أو من بلاد العرب‏ ,‏ أو هي أطراف بلاد الشام‏ ,‏ أو بلاد الشام‏ ,‏ أو أنطاكية‏ ,‏ أو دمشق‏ ,‏ أو بيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك‏ ,‏ لأن حدود الإمبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري‏ ,‏ وعليه فلا يعقل أن يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب‏ ,‏ فقط‏ ,‏ وان كانت أرض الأغوار هي أقرب الأرض إلي بلاد العرب‏ ,‏ بل هي في الحقيقة جزء من أرض شبه الجزيرة العربية‏ .‏ فسبحان الذي أنزل هذا التعبير المعجز أدنى الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا أن الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدنى الأرض‏ ,‏ وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم‏ ,‏ وذلك لقول الحق‏ (عز من قائل‏ ) :‏" الـم .غُلِبَتِ الرُّومُ . ‏فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . ‏فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم‏:1‏ ـ‏5) .

﴿ وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ ﴾. [‏‏ الحديد : 27 ]


بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2010-02-27
في هذا النص القرآني الكريم جاء في خواتيم سورة الحديد وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها تسع وعشرون ‏(29)‏ بعد البسملة‏.‏
وقد سميت بهذا الاسم لحديثها عن إنزال الحديد إلى الأرض من السماء‏,‏ وهي حقيقة لم تتوصل إليها المعارف المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏  كما تتحدث السورة الكريمة عما في الحديد من بأس شديد‏,‏ وماله من منافع للناس وهو ما أثبتته المعارف المكتسبة كذلك مؤخرا‏.‏ وسورة الحديد هي السورة الوحيدة من بين سور القرآن الكريم التي تحمل اسم عنصر من العناصر المعروفة لنا‏,‏ والتي يبلغ عددها أكثر من مائة عنصر‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الحديد حول قضية التشريع الإسلامي ـ شأنها في ذلك شأن كل السور المدنية ـ وإن لم تغفل قضية العقيدة الإسلامية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الحديد‏,‏ وما جاء فيها من تشريعات‏,‏ وركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وعدد من الإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا على أوجه الإعجاز التاريخي والتربوي والعلمي في وصف القرآن الكريم لعدد من المواقف الرئيسية في سيرة عبد الله ونبيه المسيح عيسى ابن مريم ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وذلك في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال وفي غيره من آيات القرآن المجيد‏.‏
من أوجه الإعجاز في استعراض القرآن الكريم لعدد من المحطات الرئيسية في سيرة المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ‏:‏
جاء ذكر المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ في كتاب الله خمسا وثلاثين مرة ‏(35)‏ منها ما جاء باسم المسيح ‏(3‏ مرات‏),‏ وما جاء باسم عيسى ‏(9‏ مرات‏),‏ وما جاء باسم ابن مريم‏ (‏مرتان‏)‏ وباسم عيسى ابن مريم‏ (13‏ مرة‏)‏ وباسم المسيح ابن مريم‏ (5‏ مرات‏)‏ وباسم المسيح عيسى ابن مريم ‏(3‏ مرات‏),.
وهذه الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى الحقيقة التاريخية والدينية لرسول من أولي العزم من الرسل هو المسيح عيسى ابن مريم‏ (‏عليه وعلى أمه السلام‏),‏ وتشير الآيات إلى أن السيدة مريم ابنة عمران رزق بها والدها على الكبر إثر دعاء عريض‏,‏ فكانت ابنة لأبوين صالحين‏,‏ وكان أبوها من بيت النبوة حيث ينتمي نسبه إلى سليمان بن داود - عليهما السلام- وبلغ بالأبوين الصالحين الكبر دون أن يرزقا بذرية فتوجهت زوجة عمران إلى الله ـ تعالى ـ بالدعاء أن يرزقها ولدا تهبه لخدمة المسجد الأقصى‏,‏ والقيام على سدانته‏,‏ ومع إلحاحها في الدعاء‏,‏ وإخلاصها وخشوعها استجاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ دعاءها فحملت‏,‏ وقبل أن تضع حملها فارق زوجها العبد الصالح عمران دنيا الناس وترك زوجته الحامل أرملة‏.‏
ولما جاء وقت الوضع‏,‏ فوجئت أرملة عمران بأن وليدها أنثي‏,‏ فسمتها مريم وعرفت باسم
 مريم ابنة عمران وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ
 وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا  وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾  [‏‏ آل عمران‏:33‏ ـ‏36].
وتنازع الصالحون المعاصرون فيما بينهم من يكفل مريم‏,‏ ولكن الله ـ تعالى ـ كفلها زوج خالتها‏,‏ الذي كان نبي ذلك الزمان في قومه‏,‏ وهو العبد الصالح والنبي الصالح زكريا الذي رعاها حتى كبرت‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ
 وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ آل عمران‏ :37 ].‏
وَإِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ
 وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [ آل عمران‏:42‏ ـ‏46 ].‏
اجتهدت مريم في العبادة والتنسك والزهد في الدنيا‏,‏ والتبتل في الطاعة حتى فوجئت في يوم من الأيام بالملائكة تبشرها بأن الله  ‏(تعالى‏)‏ سوف يهب لها ولدا زكيا‏,‏ وأن هذا الولد سيكون نبيا كريما مؤيدا بالمعجزات‏,‏ فتعجبت من قضاء الله‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏

إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
 وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [ ‏آل عمران‏:45‏ ـ‏47 ].‏
وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياًّ * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ
 مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياًّ * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياًّ * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياًّ *
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِياًّ * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِياًّ * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِياًّ * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِياًّ * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِياًّ * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِياًّ * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِياًّ * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياًّ * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ * وَبَراًّ بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِياًّ * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وَلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَياًّ ﴾ [ ‏مريم‏: 16‏: ‏33 ].‏
وعند بلوغ عيسى ابن مريم سن الثلاثين جاءه وحي السماء بالنبوة والرسالة‏,‏ وأنزل عليه الإنجيل وأمره الله ـ تعالى ـ بدعوة بني إسرائيل إلى دين الله الحق‏ (‏الإسلام‏)‏ بعد أن كانوا قد انحرفوا عنه‏,‏ وأشركوا بالله‏,‏ وعبدوا الأصنام والأوثان‏,‏ وطففوا المكيال والميزان‏,‏ وأقبلوا على ماديات الحياة بشراهة منقطعة النظير‏,‏ وعبدوا المال والجاه والسلطان من دون الله‏,‏ وحرفوا التوراة‏,‏ وزوروا تعاليم الله‏,‏ وأفسدوا في الأرض إفسادا كبيرا‏,‏ وأشاعوا فيها مختلف صور النفاق‏,‏ والرياء‏,‏ والكذب‏,‏ والطمع‏,‏ والشره‏.‏ فتفشت بينهم المظالم والمفاسد والتجاوزات التي انحطت بهم إلى مادون مستوي الحيوانات‏.‏
مضى نبي الله ورسوله عيسى ابن مريم في دعوته لليهود من أجل أن يعودوا إلى دين الله‏ (الإسلام‏)‏ الذي علمهم إياه رسولهم موسي (‏عليه السلام‏)‏ ولكن لم يؤمن معه إلا أقل القليل من الحواريين ومن فقراء اليهود وضعفائهم‏,‏ ولذلك بدأ كفار اليهود في شن حملاتهم عليه فاتهموا أمه بالزنا  ‏(شرفها الله‏)‏ واتهموه هو بالسحر والهرطقة والكذب والاتصال بالشياطين‏,‏ وهو الرسول الموصول بالوحي والمؤيد بجبريل  ‏(عليه السلام‏).‏
ثم أخذ اليهود في الكيد لنبي الله عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ عند الرومان الذين كانوا يحتلون أرض فلسطين آنذاك‏,‏ وأقنعوا الوالي الروماني أن نبي الله عيسى يكتل الناس حوله للقيام بعصيان مدني أو ثورة شعبية ضد الرومان المحتلين فحاولوا القبض عليه وصلبه حيا‏,‏ ولكن الله ـ تعالى ـ رفعه إليه ونجاه من كيدهم‏.‏
من هذا الاستعراض للإشارات القرآنية التي جاءت بشيء من ذكر عبد الله ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ تتضح أوجه من الإعجاز التاريخي والتربوي والعلمي تشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (‏اللغة العربية‏)‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين‏.‏

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

أشراط الساعة الصغرى


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فلا زلنا نتواصل معكم في رياض العلم من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :
فمن أشراطها : كثرة التجارة وفشوها بين الناس ، حتى تشارك المرأة فيها ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و آله وسلم قال : (بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تشارك المرأة زوجها في التجارة) [رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح] وهذا الشرط واقع حادث .
ومن أشراطها : كثرة الزلازل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل)[رواه البخاري] .
ومن أشراطها ظهور الخسف والمسخ والقذف ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف) قالت : قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟قال : (نعم إذا كثر الخبث) [رواه الترمذي وصححه الألباني] ، والخسف وقع في مواضع كثيرة في قديم الزمان وحديثه كثير .
ومن أشراط الساعة : ذهاب الصالحين ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض ، فيبقى عجاجة لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً) [رواه أحمد وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح] .
ومن أشراط الساعة : ارتفاع الأسافل ، فيكون أمر الناس بيد السفهاء والأراذل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة ، قال : السفيه يتكلم في أمر العامة) [رواه أحمد وقال أحمد شاكر : اسناده حسن] .
ومن أشراط الساعة : أن تكون التحية للمعرفة فقط ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة) [رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر : إسناده حسن] .
ومن أشراط الساعة : ظهور الكاسيات العاريات ، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد ، نساؤهم كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ، العنوهن فإنهن ملعونات) [رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر : إسناده صحيح] ومعنى كاسيات عاريات أي : كاسية جسدها ولكنها تشد خمارها وتضيق ثيابها حتى تظهر تفاصيل جسمها ، أو تكشف بعض جسدها ، وهذا حادث .
ومن أشراط الساعة : صدق رؤيا المؤمن ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) [رواه مسلم].
ومن أشراط الساعة : كثرة الكتابة ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن بين يدي الساعة ـ وذكر منها ـ ظهور القلم) [رواه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] .
ومن أشراط الساعة : انتفاخ الأهلة ، وهو أن يرى الهلال لليلة فيقال لليلتين ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة) [رواه الطبراني وقال الألباني : صحيح] .
ومن أشراط الساعة : كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (سيكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم ، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم) [رواه مسلم] .
ومن أشراط الساعة : كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) [رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر : صحيح] .
ومن أشراط الساعة : كثرة النساء ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (من أشراط الساعة ـ وذكر منها ـ وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين ارأة القيم الواحد) [رواه البخاري] .
ومن أشراط الساعة : كثرة موت الفجأة ، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إن من أمارات الساعة أن يظهر موت الفجأة) [رواه الطبراني في الصغير والأوسط وقال الألباني : حسن] .
ومن أشراط الساعة : وقوع التناكر بين الناس ، فعن حذيفة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة فقال : (علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن أخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها ـ وذكر منها ـ ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحد) [رواه أحمد وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح] .
ومن أشراط الساعة : عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) [رواه مسلم] .
ومن أشراط الساعة : كثرة المطر وقلة النبات ، فعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً عاماً ولا تنبت الأرض شيئأ) [رواه أحمد ، وقال الهيثمي : رجاله ثقات] .
ومن أشراط الساعة : حسر الفرات عن جبل من ذهب ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ، ويقول كل رجل منهم : لعلي أكون أنا الذي أنجو) [رواه البخاري] .
ومن أشراط الساعة : كلام السباع والجمادات الإنس ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الراعي الذي تكلم معه الذئب ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : (إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة ، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده) [رواه أحمد ، وقال أحمد شاكر صحيح] .
ومن أشراط الساعة : تمني الموت من شدة البلاء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه) [رواه البخاري] .
ومن أشراط الساعة : كثرة الروم وقتالهم للمسلمين ، فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (اعدد ستاً بين يدي الساعة ، فذكر منها : ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) [رواه البخاري] .
وجاء في وصف هذا القتال أنه عظيم شديد فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (إن الساعة لا تقوم ، حتى لا يقسم ميراث ، ولا يفرح بغنيمة ، ثم قال بيده هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال : عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام . قلت: الروم تعني؟ قال: نعم . وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة . فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة . فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب ، وتفنى الشرطة ، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة ، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب ، وتفنى الشرطة ، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا ، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة ، فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة – إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها – حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتاً. فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ : إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم ، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :  (إني لأعرف أسمائهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ) [رواه مسلم] .
ومن أشراط الساعة : فتح القسطنطينية ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال : لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق ، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا : لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها ـ قال ثور : لا أعلمه إلا قال الذي في البحر ـ ثم يقولوا الثانية : لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر ، ثم يقولوا الثالثة : لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال : إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون) . [رواه مسلم] .
ومن أشراط الساعة : خروج القحطاني ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) [متفق عليه] .
وسوقه الناس بعصاه كناية عن طاعة الناس له ورضوخهم لأمره .
ومن أشراط الساعة : قتال اليهود ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [متفق عليه] .
ومن أشراط الساعة : نفي المدينة لشرارها وخرابها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي ، يريد عوافي السباع والطير) [رواه البخاري] .
ومن أشراط الساعة : بعث الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين ، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه في حديث طويل فيه قصة الدجال ونزول عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج قال صلى الله عليه وآله وسلم : (إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم ، فتقبض روح كل مؤمن ومسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة) [رواه مسلم] .
ومن أشراط الساعة : استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها ، ولكأني أنظر إليه أصلع أقيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله) [رواه أحمد بإسناد صحيح] .

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

منكرو القيامة

منكرو القيامة

end_universe
This post is also available in: الإنجليزية, البوسنية
” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأۡتِينَا السَّاعَةُ قُلۡ بَلَى وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَالِمِ الۡغَيۡبِ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الۡأَرۡضِ وَلَا أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ”
34- سورة سبأ؛ الآية 3
” وَلَئِنۡ أَذَقۡنَاهُ رَحۡمَةً مِّنَّا مِن بَعۡدِ ضَرَّاء مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلۡحُسۡنَي فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٍ ”
41- سورة فصلت؛ الآية 50
لقد درسنا في الأقسام الثلاثة الأولى من كتابنا كيف بدأ الكون، أما في هذا القسم والقسمين التاليين له فسوف ندرس نهايته( قيامته) مما يقصه القرآن. ونحن ندعي أنه لا يمكن على الإطلاق، في تاريخ البشرية جمعاء، ذكر كتاب ثان، مصدر ثان يحكي قصة بداية الكون ونهايته بتفصيل وبشكل صحيح تماما بقدر المعلومات التي أوردها القرآن بحق ذلك. مشطوا جميع مصادر العالم التي تدعي التفوق فيما قبل العثور على البيانات العلمية في هذا الموضوع. فسوف يظهر تفرد القرآن في هذا الصدد، حتى أنه ليس هناك مصدر ثان قص على نحو أفضل من القرآن ولو حتى أي من بداية الكون ونهايته، وليس كليهما مرة واحدة. لقد أخبر القرآن أنه سُيري آياته. ها هو ذا كتاب الله، وها هي ذي أدلته! ولاسيما في موضوعين في غاية الأهمية مثل بداية الكون ونهايته. أليست تلك الأدلة كافية لمن يبحثون بصدق عن الدليل؟
ربما يظن الناس عندما ينظرون إلى الكون بوجهة النظر التي اقتصرت على مراحل الزمن الخاصة بهم؛ أن لكل شيء بنية ثابتة، راكدة، لا تتغير. ولقد كان الإخبار في عصر مجيء رسولنا بأن نهاية الكون والأرض ستأتي طرحا لا يمكن تصديقه. ولم يصدق أهل ذلك العصر الذين يجهلون أن الأرض عبارة عن جسم طائر في الفضاء، القول بأنه سيأتي يوم تفنى فيه الأرض التي تبدو ثابتة لا تتزعزع تحت أقدامهم واعترضوا على ذلك. وخصوصا، أن التصريح بأن الكون سينتهي مثل الأرض أيضا، كان يبدو أمرا مستحيلا بالنسبة لمن لا يؤمنون بكتاب الله، من لا يستوعبون أن قدرة الله ستحقق كل هؤلاء. إن الآيتين اللتين اقتبسناهما في بداية هذا القسم، تحكيان الاعتراضات التي تمت في عصر رسولنا على الإخبار بالقيامة، أي على أن الكون والأرض سيفنيان.
ونتيجة زيادة المعلومات المتعلقة بالكون في عصرنا، فقد تم التسليم- بشكل لا يقبل النقاش- بصحة قول القرآن فيما يتعلق بانتهاء الكون والأرض. إذن لا قبل لأحد أن ينهض مدعيا أن الأرض لن تفنى. ومن المؤكد، حتى ولو لم يحدث أي شيء على الإطلاق، أن عالمنا سينتهي عندما تنفد طاقة الشمس. ونهاية الكون أيضا أمر قاطع أكيد، غير أن كيفية تحقق هذا، والشكل الذي ستحقق به هذه النهاية، وزمانها أمر محل نقاش وجدل.( سوف نناقش في القسمين التاليين كيفية انتهاء الكون استنادا إلى الآيات القرآنية.)
تظهر قوانين الديناميكية الحرارية التي تم اكتشافها، على سبيل المثال، أن نهاية العالم( مجيء القيامة) قادمة لا محالة. ولقد كشف الفيزيائي الألماني هرمان فون هيلموز Hermann Von Helmhotz في عام 1856 استنادا إلى القانون الثاني من هذه القوانين أن الكون سيموت يوما ما. والقانون الثاني وفقا لأبسط شرح له يبين أن الحرارة تنخفض مباشرة إلى البرودة. وإن تدفئة مدفأة لغرفة ما، وتركنا الشاي الذي بأيدينا حتى يبرد، كل هذا يتم بعمل هذا القانون. لقد أدت أبحاث كل من: هيلموز، ورودلوف كلاسيوسRaudlof Clausius، ولورد كلوينLord Kelvin إلى إقرار كيفية تعرف بدرجة التعادل الحراري entropi توضح التغيير الذي لا يمكن تبديله للعكس في الحرارة الديناميكية. ويمكن تعريف درجة التعادل الحراري في مثالنا البسيط الذي تلتقي فيه كتلة حارة بكتلة باردة على أنها قسم الطاقة الحرارية على درجة الحرارة. وتزداد الدرجة الإجمالية للتعادل الحراري في الكون دائما. ويمكننا رؤية مثال لذلك في الشمس التي تدفئ عالمنا. إن حرارة الشمس تفيض على برودة الكون، إلا أنه يستحيل تحويل هذه العملية إلى عكسها.
قوانين الديناميكية الحرارية من زاوية الدين والفلسفة
حسن، إذن هل تستطيع هذه العملية الاستمرار إلى الأبد؟ الإجابة ستكون كلا. فعندما تصل الحرارة إلى درجة حرارة واحدة، تصبح وضعا ثابتا يسمى بالتوازن الديناميكي الحراري. يمكن أن يستمر جيران الحرارة في الشمس وفي النجوم على أكثر تقدير مليارات السنوات، ولكن هذا لا يعني أنه خالد لا ينفد ولا ينتهي. إن قوانين الديناميكية الحرارية تجبر الحركة الموجودة في الكون على التوقف في نهاية شريحة زمنية. هذه القوانين تؤدي بنا إلى نتيجتين اثنتين:
1- بداية الكون
2- نهاية الكون
لقد دافعت جميع أديان التوحيد التي آمنت بالله الواحد على مر التاريخ عن هذين القضيتين. وبينما يدافع القرآن عن هاتين القضيتين يصرح تصريحات معجزة سواء أكانت بالنسبة لبداية الكون أو كانت بالنسبة لنهايته.( لقد طالعنا التصريحات المعجزة المتعلقة ببداية الكون في الأقسام الثلاثة الأولى من الكتاب.) أما من يعبدون المادة على مر التاريخ، فقد زعموا أن المادة موجودة منذ الأزل وستبقى إلى الأبد. أي أنهم نكروا البداية التي تؤدي إلى فكرة الخلق، والقيامة التي عرفتها الأديان كليهما على حد سواء. ( تبدو الاعتراضات التي وقعت في عصر الرسول في تلك الآيتين اللتين اقتبسناهما) وعندما تبين في ظل تقدم علم فيزياء الفلك أن للكون بداية ونهاية، ظهر الملحدون الراغبون في توفيق أفكارهم بناء على هذا، ولكنه من الواضح تماما أن الملحدون أنكروا هذا قبل أن يتبين أن للكون بداية ونهاية كحقيقة علمية. وبالرغم من جميع البيانات التي كشفت عنها العلوم العلمية في عصرنا؛ إلا أن العديد من الملحدين لا زالوا يسعون لإنكار أن للكون بداية، وستكون له نهاية.
لقد صّدقت قوانين الديناميكية الحرارية ما أخبر به الدين، وكذلك من قالوا في تاريخ الفلسفة، على نحو متواز مع الدين، بأن الكون مخلوق للخالق، وأن للكون بداية ونهاية، وكذبت معارضيهم. وهذه الاكتشافات تعني تصديق قضايا الأديان الثلاثة الكبرى التي تؤمن بالله الواحد، في هذا الموضوع المهم. ولو كان الكون موجودا منذ الأزل، لتوقفت الحركة كلها في الكون، في الزمان الأزلي وفقا لقوانين الديناميكية الحرارية. ووجود الحركة في الكون، يثبت أن الكون لم يوجد منذ الأزل وأن للكون بداية. ونظرا لوجود الحركة في الكون في ذلك الوقت ووجود بداية في الكون، فإنه لا بد من قيام القيامة وفقا لقوانين الديناميكية الحرارية حتى ولو لم تقم بأي شكل آخر. غير أن الملاحظ أنه لن تبق ثمة حاجة لعمل قوانين الديناميكية الحرارية لكي تقوم القيامة

المصدر


مركز تحميل الصور الاسلامية

تحدي بين مدرس يهودي وطالب مسلم

su-34

أركان الإسلام

a7dathalnihaya