سورة الزمر للشيخ خالد الجليل

MultiHoster

الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خير خلق الله

بفضل الله تم الانتهاء من الفيلم الوثائقي القصير * قصة زواج * ويعتبر من أقوي الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

 

فيا أنصار رسول الله فلنتعاون جميعا على الدفاع عن رسول الله و ننشر الفيديو على أوسع نطاق

 

 

 

قناة موقع نصرة رسول الله على اليوتيوب

To say that something is wrong or not, you have to say it is wrong because of what; because it is violating what.

Please check this video to know the truth about Prophet Mohammad & Aisha's Marriage.

 

If you want to read the perfect love story, I recommend that you don't read "Romeo and Juliet" but Read the story of Muhammad and Aisha, in the very words of Aisha herself explaining how beautiful this relationship was between her and Prophet Muhammad (PBUH)

 

            

Sponsored by 
Khalifa Al Hammadi
 
لمن يريد رعاية انتاج الأفلام الوثائقية بموقع نصرة رسول الله  الرجاء مراسلة
 

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

" فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ " (الأعراف133)‏.


بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2004-01-26

هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل الثلث الأخير من سورة الأعراف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(206)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ وأطول السور المكية علي الاطلاق‏,‏ وأول سور القرآن الكريم تعرضا بشيء من التفصيل لقصص عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين لبعثة خاتمهم‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) .‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم لوجود الاشارة فيها إلي الأعراف‏,‏ وهي أسوار مضروبة بين الجنة والنار للحيلولة بين أهليهما‏,‏ تكريما لأهل الجنة‏,‏ وامتهانا لأهل النار‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول العقيدة الاسلامية القائمة علي أساس من التوحيد الخالص لله‏(‏ تعالي‏)‏ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والتسليم الكامل بعبودية جميع الخلق لله‏
(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ وحده‏,‏ والايمان الصادق بوحي السماء‏,‏ والطاعة التامة لأوامر الله المنزلة علي فترة من الرسل والتي تكاملت في القرآن الكريم وفي سنة النبي الخاتم‏
(‏ صلي الله عليه وسلم‏) .‏وهذه العقيدة الاسلامية  التي تشكل صلب الدين الذي يرتضيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده ولايرتضي منهم دينا سواه  علمها ربنا‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لأبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏,‏ ثم أنزلها علي سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏(000‏ ر‏120‏ نبي وثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏),‏ وأكملها‏,‏ وأتمها‏,‏ وحفظها في الرسالة الخاتمة التي أنزلها علي خاتم أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ولذلك بعثه شاهدا‏,‏ ومبشرا‏,‏ ونذيرا للناس أجمعين إلي يوم الدين‏,‏ وتعهد بحفظ رسالته في نفس لغة وحيها‏(‏ اللغة العربية‏)‏ فحفظت علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد وسوف تبقي محفوظة إلي قيام الساعة تحقيقا لوعد الله الذي قطعه علي ذاته العلية فقال‏(‏ عز من قائل‏)‏
" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ‏(‏ الحجر‏9) ‏ .
وأبرزت سورة الأعراف أزلية عقيدة التوحيد في ردود عدد من أنبياء الله ورسله علي أقوامهم بالقول السديد‏‏
‏" يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " (الأعراف59) .
والتي ترددت أربع مرات في هذه السورة الكريمة علي لسان كل من نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وشعيب‏(‏ علي نبينا وعليهم وعلي جميع أنبياء الله السلام‏),‏ وأتبعت هذه الدعوة المباركة في كل مرة بتحذير أو تقريع شديد‏,‏ وذلك من مثل قول نوح‏(‏ عليه السلام‏)‏ لقومه‏‏
"‏ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " ‏(‏ الأعراف‏59)‏ .
وإلي قول نبي الله هود لقومه‏‏
"‏ أَفَلاَ تَتَّقُونَ " ‏(‏ الأعراف‏65)‏ .وإلي قول كل من صالح وشعيب‏(‏ عليهما السلام‏)‏ إلي قوميهما‏"‏ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ‏"(‏ الأعراف‏85,73)‏ . ولقد سبق لنا عرض سورة الأعراف في أكثر من مقال‏,‏ ولذلك أكتفي هنا بذكر كل من ركائز العقيدة والاشارات الكونية والتاريخية في هذه السورة المباركة‏ .‏
من ركائز العقيدة الاسلامية في سورة الأعراف :
‏(1)‏ الايمان بالقرآن الكريم وحيا خاتما منزلا من عند الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وضرورة الدعوة إلي الايمان به‏,‏ والانذار من عاقبة التنكر له‏,‏ أو محاولة إنكاره‏,‏ وتحمل كل حرج في سبيل ذلك لأنه يمثل مواجهة كل صور الباطل المنتشرة في أرجاء الأرض بالحق الوحيد الذي لايرتضي ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده دينا سواه‏,‏ ومقابلة كل صور الكفر‏,‏ والشرك‏,‏ والضلال‏,‏ والظلم‏,‏ والفساد‏,‏ والطغيان‏,‏ بالتوحيد الخالص لله‏,‏ وخشيته وتقواه‏,‏ واستبدال العديد من النظم الجائرة‏,‏ والأوضاع الفاسدة‏,‏ والانحرافات عن منهج الله في مجتمعات الناس بإقامة عدل الله في الأرض‏,‏ وتأسيس القواعد لمراقبته وتقواه‏ .‏
‏(2)‏ التسليم بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ منزه عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة‏,‏ والولد‏,‏ وعن كل وصف لايليق بجلاله ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بما أنزل الله‏(‏ تعالي‏)‏ بالعاصين من أفراد الأمم السابقة من مختلف صور العقاب المذكورة في محكم كتابه والتسليم بحتمية مساءلة المرسلين والمرسل إليهم‏.‏
‏(4)‏ الايمان والتسليم بحتمية البعث والحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ ثم الخلود فيها إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ مستحق للشكر الدائم علي عظيم نعمائه‏,‏ وأن من صور هذا الشكر الخضوع له بالطاعة وبالعبادة كما أمر‏ .‏
‏(6)‏ الايمان بقصة الخلق‏,‏ وبأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخالق‏,‏ الباريء‏,‏ المصور‏,‏ وبكرامة الانسان مادام مطيعا لأوامر ربه‏,‏ وبعداوة الشيطان للانسان ومحاولة غوايته كما فعل مع كل من أبينا آدم وأمنا حواء‏,‏ وبأن آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ قد تاب وأناب‏(‏ وكذلك أمنا حواء‏)‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد قبل توبتهما‏,‏ وبأن أحدا من ذريتهما لايحمل شيئا من وزرهما‏,‏علي الرغم من تخرص المتخرصين‏,‏ وزعم بعض الجهلة من المشركين  وأن الانسان مطالب دوما بمعصية الشيطان وبالحذر من غوايته ‏.‏
‏(7)‏ اليقين بأن الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏,‏ والاثم والبغي بغير الحق‏,‏ كما حرم الشرك به‏,‏ وأن يقول العباد علي الله‏(‏ تعالي‏)‏ مالا يعلمون‏,‏ وحرم الاسراف وغيره من صور الافساد في الأرض ‏.‏
‏(8)‏ التسليم بأن الآجال محددة‏,‏ وأنه لايستطيع أحد من المخلوقين تغييرها‏ .‏
‏(9)‏ الايمان بأنه من اتقي وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون‏,‏ وأن من كذب بآيات الله واستكبر عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏,‏ لأن ذلك من أعظم صور الظلم للنفس‏ .‏
‏(10)‏ الايمان بما جاء في كتاب الله الخاتم من وصف لأحوال كل من أهل الجنة وأهل النار‏ .‏
‏(11)‏ اليقين بأن دعاء الله‏(‏ تعالي‏)‏ تضرعا وخفية من أعظم العبادات قبولا من الله ‏.‏
‏(12)‏ الايمان بجميع رسل الله ورسالاته دون أدني تفريق أو تمييز‏,‏ وبوحدة كل تلك الرسالات التي دعت الخلق إلي توحيد الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده‏,‏ وأن العاقبة للمتقين‏ .‏
‏(13)‏ التسليم بأن خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ مرسل للناس جميعا‏,‏ وأن ذكره قد جاء في كتب الأولين من أهل الكتاب‏,‏ وإن أنكره المنكرون‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏:
" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ .قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "   ‏(‏الأعراف‏158,157) .‏
‏(14)‏ الايمان بأن لله الأسماء الحسني التي لايجوز أن يدعي إلا بها‏,‏ وأن الذين يلحدون في اسمائه فسيجزون ما كانوا يعملون‏ .‏
‏(15)‏ اليقين بأن الساعة علمها عند الله‏(‏ تعالي‏)‏ وحده‏,‏ لايعلمه إلا هو‏,‏ وأنها ثقلت في السماوات والأرض‏,‏ وأنها لا تأتي الناس إلا بغتة‏ .‏
‏(16)‏ الايمان بأن الملائكة لايستكبرون عن عبادة الله‏,‏ وأنهم يسبحونه وله يسجدون‏ .‏
من الإشارات العلمية في النص الكريم :
جاء في سورة الأعراف عدد كبير من الآيات الكونية والتاريخية التي يمكن إيجازها دلالاتها فيمايلي‏‏
‏(1)‏ الاشارة إلي فجائية العقاب الإلهي‏(‏ بأس الله‏)‏ كما يتضح من قوله‏(‏ تعالي‏)‏:
" وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ "  (‏ الأعراف‏4)‏ .
ويتأكد نفس المعني في الآيات‏97‏ ‏99‏ من نفس السورة‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد علي عملية التصوير بعد الخلق وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ عز من قائل‏)‏ 
" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ "الأعراف‏11) .‏
‏(3)‏ الاشارة إلي خلق الجن من نار وخلق الإنس من طين‏..‏ 
قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)(‏ الأعراف‏12) .‏
‏(4)‏ الاشارة الي حقيقة العداوة بين كل من الشيطان والإنسان‏,‏ وإلي مرحلية وجودهما علي الأرض وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏:
" قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ . قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ "  ‏(‏ الأعراف‏25,24) .‏
‏(5)‏ الاشارة إلي السرعة الفائقة التي كانت الأرض تدور بها حول محورها أمام الشمس في بدء الخلق‏,‏ وإلي أن جميع أجرام السماء‏(‏ من مثل الشمس والقمر والنجوم‏)‏ مسخرات بأمر الله الذي له الخلق والأمر وفي ذلك يقول‏
(‏ عز من قائل‏)‏:
" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ "  ‏(‏الأعراف‏54)‏ .
‏(6)‏ التأكيد علي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الذي يرسل الرياح‏,‏ ويكون السحب‏,‏ وينزل المطر‏,‏ ويخرج النبت والشجر والثمر‏,‏ وأنه‏(‏ تعالي‏)‏ سوف يخرج الموتي بنفس طريقة اخراج النبت من الأرض وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏:
 " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "  ‏(‏الأعراف‏57)‏ .
‏(7)‏ الإشارة إلي أن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏,‏ وأن الذي خبث لا يخرج إلا نكدا‏(‏ الآية‏58‏ من سورة الأعراف‏) .‏
‏(8)‏ الإشارة إلي عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين علي بعثة خاتمهم‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏),‏ وعرض خلاصة دعوتهم إلي أقوامهم‏,‏ وتفاعل هؤلاء الأقوام مع تلك الدعوة‏,‏ وذكر عدد من المعجزات التي أيد الله‏(‏ تعالي‏)‏ بها نبوة أنبيائه‏,‏ وصدق رسالات رسله‏,‏ واستعراض عدد من صور العقاب الذي أنزله الله‏(‏ تعالي‏)‏ بالكفار والمشركين من تلك الأقوام‏,‏ والكشوف الأثرية المتتالية تؤكد صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به عن ذلك وغيره ‏.‏
‏(9)‏ التأكيد علي أن الطبع علي القلوب يوقف السمع‏ .‏
‏(10)‏ ذكر إرسال خليط من العذاب الذي أنزله ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي فرعون مصر وآله وكان فيه الطوفان والجراد‏,‏ والقمل‏,‏ والضفادع‏,‏ والدم‏,‏ وهو خليط لا يقوي أحد من الخلق علي مقاومته إلا ماشاء الله‏(‏ تعالي‏) .‏
‏(11)‏ الإشارة إلي أن للأرض عددا من المشارق المغارب‏ .‏
‏(12)‏ ذكر تظليل قوم موسي بالغمام‏,‏ وهم في التيه ضائعون في قلب شبه جزيرة سيناء‏,‏ والإشارة إلي إنزال المن والسلوي عليهم‏ .‏
‏(13)‏ ذكر معجزة مسخ عدد من منافقي‏,‏ ومشركي‏,‏ وكفار بني اسرائيل إلي قردة وخنازير‏ .‏
‏(14)‏ الإشارة إلي إذلال عصاة بني إسرائيل عبر التاريخ‏(‏ وإلي يوم القيامة‏),‏ بواسطة من يسومهم سوء العذاب‏,‏ عقابا لهم علي كفرهم‏,‏ وشركهم‏,‏ وإفسادهم في الأرض والله سريع العقاب‏,‏ وهو الغفور الرحيم لمن تاب وأناب ‏.‏
‏(15)‏ التأكيد علي تحريف اليهود للتوراة التي جاءهم بها موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي
 " فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَىوَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ "(الأعراف169) .
‏(16)‏ الإشارة إلي حقيقة من حقائق علم الوراثة وهي خلق جميع البشر من نفس واحدة‏.‏ وجعل زوجها منها‏,‏ وتكدس الشفرات الوراثية للبشرية كلها في صلب أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏,‏ وأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أشهد تلك الذرية الآدمية وهي في عالم الذر  بحقائق الربوبية والألوهية والوحدانية المنزهة عن كل وصف لا يليق بجلال الله‏ .‏
‏(17)‏ دعوة الناس جميعا إلي النظر في ملكوت السماوات والأرض‏,‏ والتعرف علي خلق الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ واستخلاص العبر من ذلك ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الثانية عشرة والتي جاءت في الآية الثالثة والثلاثين بعد المائة من سورة الأعراف‏,‏ وقبل التعرض لما جاء فيها من دلالات علمية أري ضرورة الاستعراض السريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة ‏.‏
من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏(‏ تعالي‏)‏:
 
" فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ ‏"(‏ الأعراف‏133) .‏
‏ ذكر ابن كثير‏(‏ رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏‏ فأرسلنا عليهم الطوفان‏)..‏ عن ابن عباس‏‏ كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار‏,‏ وعنه هو كثرة الموت‏,‏ وقال مجاهد‏(‏ الطوفان‏)‏ الماء والطاعون‏,‏ وأما الجراد فمعروف مشهور‏..‏ وأما‏(‏ القمل‏)‏ فعن ابن عباس‏‏ هو السوس الذي يخرج من الحنطة‏ .
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلي تكراره‏,‏ خاصة وأن أغلبهم كان قد استند في تفسير هذا النص القرآني المعجز علي شيء من الإسرائيليات ومن الروايات المنقولة عن أهل الكتاب والتي لا سند لها‏,‏ ولا أصل ولا دليل يدعمها‏ .‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولا‏‏ الطوفان‏‏:
الطوفان كل حادثة تحيط بالإنسان وصار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة سواء كان هذا الماء بسبب الماء الغالب الذي يغشي كل شيء فيدمره تدميرا كما يحدث في حالات السيول الجارفة أو فيضانات الأنهار المغرقة او انصهار الجليد‏,‏ أو تفجر الماء من تحت سطح الأرض أوطغيان البحار‏,‏ وذلك لأن الطوفان الذي أصاب قوم نوح كان بسبب ماء كل من الأرض والسماء‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏
(‏ تبارك وتعالي‏)‏:"
 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (‏ العنكبوت‏14) .
ويقول‏(‏ عز من قائل‏)‏
" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "‏(‏ هود‏44) .‏ولسنا ندري علي وجه التحديد أسباب الطوفان الذي أرسله الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي قوم فرعون‏,‏ فلم نجد في الأحاديث المرفوعة إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ شيئا عنها‏,‏ ونري أن من الواجب الوقوف عند حدود النص القرآني مادمنا لم نجد في السنة المطهرة تفسيرا له‏,‏ وذلك تجنبا للوقوع في الإسرائيليات التي لا سند لها‏.‏ وأغلب الظن هنا أن السبب في طوفان قوم فرعون كان كثرة الأمطار المغرقة‏,‏ والسيول الجارفة التي أتلفت الزروع والأشجار ودمرت المساكن والمنشآت والطرقات‏,‏ وأدت إلي فيضان النيل الذي ساعد في هذا الإتلاف والتدمير‏.‏ وذلك لأنه لا يوجد دليل من الصخور الرسوبية أو الرسوبيات يشير إلي طغيان البحر الأبيض المتوسط في ذلك الزمن علي أرض مصر‏,‏ ولا يوجد أثر لتفجر الماء من تحت سطح الأرض‏,‏ ولم تكن أرض مصر مكسوة بالجليد إلا في أزمنة غابرة تمتد إلي الفترة بين‏500‏ مليون سنة مضت‏,‏ و‏400‏ مليون سنة مضت علي وجه التقريب‏(‏ في الفترة الزمنية الفاصلة بين العصرين الأوردوفيشي والسيليوري‏).‏ وقد وردت روايات شتي في شأن النص القرآني الذي نحن بصدده رواها الإمام الطبري في تفسيره‏,‏ وفي كتابه عن التاريخ‏,‏ ولكن يبدو أنه  علي روعة الجهد الذي بذله  قد اعتمد في ذلك علي عدد غير قليل من الإسرائيليات ‏.‏
ثانيا‏‏ الجراد‏(Locusts)‏:
‏(‏ الجراد‏)‏ اسم جنس لمجموعة من الحشرات المستقيمة الأجنحة‏,‏ والتي تجمع في رتبة بهذا الاسم‏(‏ رتبة مستقيمات الأجنحة‏=
(
(Orthoptera,‏ وتضم بالإضافة إلي الجراد مجموعة كبيرة من الحشرات منها نطاط الحشائش‏,‏ والحفار‏,‏ والصرصار‏(‏ الصرصور‏)‏ وغيرها‏ .‏ وواحدة الجراد‏(‏ الجرادة‏)‏ وهو لفظ يطلق علي كل من الأنثي والذكر‏,‏ فيقال أنثي الجرادة‏,‏ وذكر الجرادة‏,‏ كما يقال ذكر الجراد وأنثي الجراد‏ .‏
ويوضع الجراد مع نطاط الحشائش
‏(
GrassHopper)‏ في عائلة واحدة تعرف باسم عائلة الجراديات(‏FamilyAcrididae) وتتميز الحشرات فيها بالفم القارض‏,‏ والأجنحة المستقيمة‏,‏ وبالقدرة الفائقة للحشرة البالغة علي التجمع في أسراب كبيرة‏,‏والهجرة عبر مسافات طويلة ‏.‏ ويتراوح طول الحشرة البالغة من الجراد بين السنتيمتر والعشرة سنتيمترات‏,‏ ويصل عدد الجراد المهاجر في السرب الواحد إلي عشرات البلايين‏,‏ مما يجعله يغطي مساحة تقدر بأكثر من ألف كيلومتر مربع‏,‏ بكتلة تقدر بآلاف الأطنان‏,‏ ويأكل مثل هذا السرب في اليوم الواحد قدر وزنه من المزروعات‏,‏ ومن هنا كانت تسمية هذه الحشرة الخطيرة باسم‏(‏ الجراد‏)‏ وهو اسم مستمد من الفعل‏(‏ جرد‏)‏ بمعني أزال وكشف‏,‏ وعري‏,‏وقشر‏,‏ يقال‏(‏ جرد الجراد الأرض جردا‏)‏ أي أكل جميع ما عليها من نبات حتي تجردت من غطائها الخضري كما‏(‏ يجرد‏)‏ المرء عن ثيابه‏,‏ و‏(‏الجرادة‏)‏ بضم الجيم ما قشر عن الشيء أي أزيل عنه‏,‏ و‏(‏الجريد‏)‏ هو السعف الذي‏(‏ جرد‏)‏ منه الخوض أي نزع عنه‏,‏ و‏(‏التجريد‏)‏ هو التعرية من الثياب‏,‏و‏(‏التجرد‏)‏ هو التعري من الثياب أو من غيرها‏ .‏

وتهاجر أسراب الجراد علي ارتفاعات مختلفة من سطح الأرض‏,‏ فمنها ما يطير علي ارتفاعات منخفضة لا تتجاوز الثلاثمائة متر فوق مستوي سطح البحر في طبقات مستوية من الجراد المتراص بكثافات تتراوح بين مليون وعشرة ملايين جرادة في الكيلومتر المربع الواحد‏,(‏ الأسراب الطباقية‏),‏ ومنها مايصعد إلي ارتفاعات تصل إلي ألف متر فوق مستوي سطح البحر في هيئة تراكمية يأخذ فيها سرب الجراد شكل السحب الركامية فيسمي باسمها‏(‏ الأسراب الركامية‏)‏ يتوزع فيها الجراد في أكوام منها القمم السامقة‏,‏ والسفوح الهابطة‏,‏والأودية الفاصلة‏,‏ وبكثافات أقل من كثافة الأسراب الطباقية يتراوح فيها توزيع الجراد بين الألف والمائة ألف جرادة في الكيلومتر المربع‏,‏ وتساعد تيارات الحمل في الغلاف الغازي للأرض الهواء علي إعطاء أسراب الجراد المهاجرة علي ارتفاعات عالية هذه الأشكال الركامية ولذلك يختلف شكل سرب الجراد الركامي في هجرته من وقت إلي آخر باختلاف التيارات الهوائية التي تواجهه‏,‏ وإن كان الجراد بفطرته يقود سربه مع الاتجاه الرئيسي للرياح السائدة أو في اتجاه ممرات الهواء التي يتحرك الريح الرئيسي صوبها‏.‏ وغالبا ما تهاجر أسراب الجراد في النهار‏,‏ وتحط في الليل علي المزروعات والأشجار تلتهم منها كميات كبيرة تعينها علي استئناف الهجرة في الصباح التالي‏ .‏ وتتحرك أسراب الجراد بانضباط شديد تحت قيادة صارمة‏,‏ فتتحرك مقدمة السرب قبل مؤخرته باستمرار‏,‏ وتحط قبلها‏,‏ حتي تحدد اتجاه السرب ومواقع الهبوط ولحظات الانطلاق في كل يوم‏.‏ وتبدأ دورة حياة الجراد بوضع البيض في أماكن محددة‏,‏ ورعايته حتي يفقس في حدود شهر مايو من كل سنة لتخرج منه الحوريات التي تقوم بعملية الانسلاخ من جلدها عدة مرات حتي تصل إلي حجم الحشرة البالغة التي تحيا في باديء الأمر حياة فردية‏,‏ ثم تمر بمرحلة إنتقالية لتكوين جماعة‏,‏ ثم تنتهي بمرحلة الهجرة الجماعية التي تقطع فيها أسراب الجراد المهاجر مسافات شاسعة تمر خلالها بمناطق التكاثر الصيفي‏,‏والشتوي‏,‏ والربيعي حتي تعود إلي مناطق تكاثرها الأولي التي انطلقت منها‏.‏ وهذه الحشرات تصل إلي مرحلة البلوغ عادة في الفترة من منتصف شهر يوليو إلي منتصف شهر سبتمبر من كل سنة‏.‏ وعلي الرغم من علمنا بدورة حياة الجراد إلا أن غاراته لا يمكن التنبؤ بها قبل بدئها‏,‏ فقد يبقي الجراد في منابته الأصلية ويقوم بتكاثر محدود دون هجرة لفترات طويلة ودون الخروج من أسرابه المعتادة‏,‏ ثم يعاود تسارع تكاثره بشكل ملحوظ وتنظيم أسرابه لمفاجأة البدء بالهجرة الجماعية‏.‏
ومنابت الجراد ليست دائمة باستمرار‏,‏ بل تتغير من فترة إلي أخري‏,‏ وإن كانت هناك أحزمة معروفة لغزوات الجراد كما أن هناك أحزمة محددة تكثر فيها الهزات الأرضية ‏.‏

وللجرادة قدرة فائقة علي الطيران لمسافات طويلة تصل إلي مائة كيلو متر في اليوم‏,‏ وذلك بما حباها الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ به من قوة عضلية فائقة بالنسبة إلي حجمها‏,‏ وتمكنها هذه القوة العضلية غير العادية من خفق جناحيها لفترات متصلة تتراوح بين الست ساعات والست عشرة ساعة مما يعينها علي اجتياز كل العوائق المائية والتضاريسية‏.‏ والطاقة اللازمة لهذا الجهد الخارق للعادة تستمد من تمثيل كل من المواد الكربوهيدراتية التي تحصل عليها مما تلتهمه من غذاء أولا‏,‏ ثم مما تختزنه في جسمها الناحل من دهون‏ .‏
ويقوم الجراد بهضم المواد النباتية التي يقرضها من كل من الزروع والأشجار بنهم شديد‏,‏ ويستخلص ما بها من مواد سكرية ونشوية وسيليولوزية وزيتية ودهنية‏,‏ ويحللها إلي مكوناتها الأساسية في عمليات من الهضم والأيض المعقدة‏,‏ ومن أمثلة ذلك أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد أعطي للجراد القدرة علي استخراج غاز الإيدروجين من الدهون المختزنة في جسده‏,‏ وعندما يصل ذلك إلي دمه وتتم عملية احتراقه بواسطة الأكسيجين الجوي يتكون الماء في داخل جسم الجراد بالقدر الذي يحتاج إليه خلال رحلة طيرانه الطويلة دون الحاجة للنزول إلي الأرض من أجل الارتواء‏,‏ وذلك لأنه يستهلك كميات كبير من الماء أثناء طيرانه لايكفيه فيها ما يأخذه من النباتات الغضة التي يلتقمها بشراهة كبيرة ‏.‏
ومن هذا الاستعراض الموجز للجراد يتضح أن هذه الحشرة من جند الله التي يسخرها‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ علي من يشاء من عباده عقابا للمجرمين من العصاة الفاجرين‏,‏ وابتلاء للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين

" فَاعتبروا يَا أُولي الأَبصَار‏" .‏

ثالثا‏‏ القمل‏(Lice)‏:
القمل من الحشرات غير المجنحة التي تجمع في طويئفة تسمي باسم طويئفة الحشرات غير المجنحة أو للسهولة باسم طويئفة غير المجنحات
‏(
SubclassApterygata)‏ وتضم هذه الطويئفة حشرات صغيرة الحجم‏,‏ عديمة التحول بمعني أن الحشرة في مراحلها الأولية تشبه الحشرة البالغة إلي حد كبير علي الرغم من ضآلة حجمها وعدم اكتمال أعضائها التناسلية ويقع القمل من هذه الطويئفة في رتبة خاصة تتميز بعدم وجود قرون شرجية ولذا تسمي باسم رتبة عديمة الذنب‏(Anoplura).‏ وهذه الحشرات غير مجنحة‏,‏ وذات قرون استشعار قصيرة وتضم أنواعا كثيرة من القمل مثل قمل الإنسان‏,‏ قمل الطيور‏,‏ قمل النحل‏,‏ قمل النبات‏,‏ قمل الخشب‏,‏ قمل الكتب‏,‏ وغيرها‏,‏ وكلها حشرات ضئيلة الحجم‏,‏ بنية غامقة أو مصفرة اللون‏,‏ يصل طول الحشرة البالغة منها إلي ثلاثة ملليمترات في المتوسط‏ .‏
ومن القمل أنواع ماصة كالتي تحيا علي أجساد الثدييات وأنواع قارضة كالتي تحيا علي أجساد الطيور‏,‏ولكل حيوان ثديي نوعه الخاص من القمل الماص‏,‏ ولقمل الإنسان‏(‏ وهو من النوع الماص‏)‏ سلالتان‏‏ قمل الرأس وقمل الجسم‏,‏ والأخير يمثل آفة شديدة الضراوة في إيذاء الإنسان وشديدة الضرر به لأنها تنقل إليه الجراثيم المسببة للعديد من الأمراض التي من أخطرها مرض التيفوس الوبائي‏,‏ أما قمل الرأس فيكثر في الصغار عنه في البالغين‏,‏ وفي رءوس الفتيات عنه في رءوس الفتيان ‏.‏
ويلتصق بيض القمل القارض إما في الشعر الخاص بكل من الإنسان والحيوان‏,‏ وإما في ريش الطيور‏.‏ ويموت القمل بسرعة إذا أزيل عن عائله‏,‏ ولكن نظرا لجلده السميك‏,‏ وأرجله القوية‏,‏ وفكوكه القارضة‏,‏ ومخالبه الكبيرة التي يستخدمها في التعلق بجسد عائله أو بشعره فإن ازالته عن جسم العائل تستلزم جهدا غير قليل ‏.‏
والقمل القارض
‏(
Mallophaga)‏ لا يمتص الدم بل يتغذي من نتاج الجلد كالقشور‏,‏ وأجزاء الشعر أو الريش‏,‏ ونتيجة لاغتذائه بهذه الطريقة فإنه يسبب تهيجا شديدا للعائل الذي يتعيش علي جسده أو رأسه‏,‏ وبفعل الاحتكاك الناشيء عن مخالبه فإنه يسقط بعض الريش عن جسم الطائر الذي يتطفل عليه‏ .‏ والقمل الماص‏(Siphuncularta)‏ يعيش علي أجسام كل من الإنسان والحيوان‏(‏ خاصة الحيوانات الثديية‏),‏ ولكل حيوان ثديي نوعه الخاص من القمل الماص ‏.‏
والقمل كغيره من المخلوقات هو جند‏,‏ من جند الله‏,‏ يسلطه علي من يشاء من عباده‏,‏ عقابا للظالمين من الكفرة والمشركين‏,‏ والغلاة المفسدين في الأرض‏,‏ والمتجبرين علي الخلق‏,‏ وابتلاء للصالحين‏,‏ واختبارا لصبرهم ولرضائهم بقضاء الله وقدره‏,‏ واعتبارا للناجين الذين رأوا ذلك رأي العين ولكن لم يصبهم من أذاه شيء‏ .‏

رابعا‏‏ الضفادع‏
(
Frog,Toad,Rana)‏ :
الضفادع من البرمائيات عديمة الذيل التي تجمع في طويئفة تحمل نفس الاسم‏‏ طويئفة البرمائيات عديمة الذيل أو للاختصار طويئفة عديمات الذيل
(
SubclassAnura=Salientia)‏ وتتميز الضفادع بأرجلها الخلفية الطويلة القوية المهيأة للقفز‏,‏ والأرجل الأمامية القصيرة‏,‏ والأقدام الجلدية المعدة للسباحة‏.‏ وبعض الضفادع تحيا حياة بحرية وإن استطاعت العيش علي اليابسة‏,‏ والبعض الآخر يحيا أساسا علي اليابسة مع امكانية العيش في الماء‏,‏ والذي يعيش من الضفادع علي اليابسة يحيا علي الأشجار أو يدفن نفسه في أوحال الأرض‏,‏ والضفدع له لسان طويل‏,‏ لزج‏,‏ ومرتبط بمقدمة الفم ليصطاد به فريسته من الحشرات‏,‏ والديدان وغيرها بمفاجأة وبسهولة مهما كانت بعيدة عنه‏,‏ ومعظم الضفادع لها أسنان في فكها العلوي‏.‏ وتبدأ دورة حياة الضفدع بوضع البيض الملقح في الماء‏,‏ ورعايته حتي يفقس‏,‏ وتخرج اليرقات التي تتنفس أولا بالخياشيم‏,‏ وهذه اليرقات ليس لها أقدام‏,‏ ومع نموها تأخذ شكل الضفدع الكامل وتبدأ في التنفس بواسطة الرئتين وتحصل علي الأوكسجين اللازم لعملية التنفس عبر كل من الجلد الرطب وبطانة الفم الرطبة‏ .‏
ونقيق الضفادع من الأصوات المزعجة للإنسان لأنه يسمع عبر مسافات طويلة تقدر بالأميال‏,‏ والكيس الصوتي المتضخم للذكر في بعض أنواع الضفادع قد يزيد في طوله علي بقية الجسم مما يضاعف من شدة نبرات نقيقه‏.‏ ليس هذا فقط بل إن بعض الضفادع قد يحمل للإنسان عددا من الفيروسات التي تصيب كلا من الكبد والكلي‏,‏ ولذلك كان من الأخطار التي تهدد حياة الإنسان خاصة أن الضفادع تؤكل في بعض الدول مثل فرنسا‏ .‏

خامسا‏‏ الدم‏
(
Blood)‏:الدم سائل أحمر اللون‏,‏ غليظ القوام‏,‏ سريع التخثر‏,‏ يتكون أساسا من كرات الدم الحمراء والبيضاء بالاضافة إلي العديد من الصفيحات‏,‏ والجسيمات الأخري‏,‏ ويعوم ذلك كله في سائل أصفر باهت يعرف باسم البلازما‏,‏ ويقوم الدم بنقل كل من الغذاء والأوكسجين والهرمونات إلي مختلف أجزاء الجسم‏,‏ ويجمع منها الفضلات‏,‏ كما يقوم بمحاربة كل الجراثيم التي تدخل إلي الجسم‏,‏ ويساعد علي اندمال الجروح وفي المحافظة علي درجة حرارة الجسم‏ .‏
والدم إذا سال خارج الجسم سرعان ما يتعفن وينتن بسبب ما يحمله من فضلات وجراثيم‏,‏ ولذلك حرم طعامه‏,‏ ولذلك أيضا كان تسليطه كعقاب من الله‏(‏ تعالي‏)‏ لفرعون موسي وآله الذين لم يؤمنوا برسالة الله ولا برسوله إليهم‏.‏ ولسنا ندري ماهية هذا الدم الذي عوقبوا به‏,‏ ولكن في رواية عن سعيد بن جبير جاء فيها‏...‏ لما أتي موسي فرعون قال له‏‏ أرسل معي بني إسرائيل‏,‏ فأبي عليه‏,‏ فأرسل الله عليهم الطوفان  وهو المطر  فصب عليهم منه شيئا‏,‏ فخافوا أن يكون عذابا‏,‏ فقالوا لموسي‏‏ أدع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه حتي أوقف الطوفان‏,,‏ فلم يؤمنوا‏,‏ ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏,‏ فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ‏.‏ فقالوا‏‏ هذا ما كنا نتمني‏,‏ فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه علي الكلأ‏,‏ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع‏.‏ فقالوا‏‏ يا موسي ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه فكشف عنهم الجراد‏,‏ فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏.‏ فداسوا‏(‏ أي درسوا‏)‏ وأحرزوا في البيوت‏,‏ فقالوا‏‏ قد أحرزنا‏,‏ فأرسل الله عليهم القمل  وهو السوس الذي يخرج من الحبوب المخزونة  فكان الرجل يخرج عشرة أجربة أي أربعين قفيزا إلي الرحي فلا يرد منها ثلاثة أقفزة‏(‏ والجريب والقفيز مكيالان للحبوب‏,‏ والجريب أربعة أقفزة‏) .‏
فقالوا‏‏ يا موسي أدع لنا ربك يكشف عنا القمل‏,‏ فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه فكشف عنهم‏,‏ فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل‏.‏ فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق الضفدع‏,‏ فقال لفرعون‏‏ ما تلقي أنت وقومك من هذا؟ فقال‏‏ وما عسي أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتي كان الرجل يجلس إلي ذقنه في الضفادع‏,‏ ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه‏.‏ فقالوا لموسي‏‏ ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع‏,‏ فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏.‏ فكشف عنهم فلم يؤمنوا‏.‏ فأرسل الله عليهم الدم‏,‏ فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار‏,‏ أو ما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا‏(‏ طريا‏),‏ فشكوا إلي فرعون فقالوا‏‏ إنا قد ابتلينا بالدم‏,‏ وليس لنا شراب‏,‏ فقال‏‏ انه قد سحركم‏!‏ فقالوا‏‏ من أين سحرنا‏,‏ ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا‏(‏ طريا‏)‏؟
فأتوه فقالوا‏‏ يا موسي ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم‏,‏ فنؤمن لك‏,‏ ونرسل معك بني إسرائيل‏.‏ فدعا ربه‏,‏ فكشف عنهم‏,‏ فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏ .‏

ومع ايماننا الكامل بقدرة الله‏(‏ تعالي‏)‏ علي كل شيء‏,‏ تلك القدرة البالغة غير المحدودة بحدود‏,‏ ومع وقوفنا أمام هذا الحديث بإجلال كبير إلا أننا لا نقول فيه شيئا توقيرا لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ علي الرغم من أن الحديث غير مرفوع إليه ‏.‏
وهذه الآيات المشتملة علي العقاب بالطوفان الذي يؤدي إلي الهدم والغرق‏,‏ ثم بالجراد الذي يأكل الأخضر واليابس من النباتات والثمار والمحاصيل الغضة‏,‏ ثم بالقمل الذي يقضي علي المخزون من الحبوب والمحاصيل وينقل العديد من الأمراض‏,‏ ثم بالضفادع التي تزيل النوم من الجفون بنقيقها المزعج وقدرتها علي نقل العديد من الأمراض كذلك‏,‏ وبعد ذلك كله بالدم النتن المليء بالنفايات الجسدية والفيروسات والجراثيم التي تجعل الحياة حقا مستحيلة هي صورة من صور العذاب الإلهي الشامل لمجموعة من الكفرة والمشركين‏,‏ والغلاة المتجبرين في الأرض فيها من التسلسل المنطقي‏,‏ والشمول والإحاطة بأحداث تاريخية وقعت قبل بعثة المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏,‏ بأكثر من ألفي سنة ما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏,‏ وما يشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.‏


" الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ .‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ " ‏(الروم‏:1-4).

بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2002-01-28

هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم‏ ,‏ وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة‏ ,‏ شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي‏ .‏ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وبوحدة الرسالة‏ ,‏ ووحدة الخلق‏ ,‏ والإيمان بالآخرة وأهوالها‏ ,‏ ومنها هول البعث‏ ,‏ وهول الحساب‏ ,‏ وهول الميزان‏ ,‏ وهول الصراط‏ ,‏ وحتمية الجزاء‏ ,‏ وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات‏ .‏ وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله‏ ,‏ وتنزيهه وحمده‏ ,‏ وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه‏ ,‏ وعدل قضائه‏ .وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف‏ ,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده دينا سواه‏ ,‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله‏ (تعالى‏)‏ الناس عليها‏ ,‏ والتي لا تبديل لها‏ ,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏ ,‏ وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه‏ ,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏ ,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله‏ ,‏ لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏ ,‏ وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم‏ ,‏ وكل حزب منهم فرح بما لديه‏ .وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏ ,‏ والذي لا تستقيم معه الحياة السوية‏ ,‏ مثل اللجوء إلي الله تعالى في الشدة‏ ,‏ والإعراض عنه في الرخاء‏ ,‏ والإيمان به‏ (تعالى‏)‏ في لحظات الضيق‏ ,‏ والشرك أو الكفر به‏ (تعالى‏)‏ وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة‏ ,‏ وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏ .‏ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة‏:‏ الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربى‏ ,‏ والمساكين وأبناء السبيل‏ ,‏ والنهي عن أكل الربا‏ ,‏ علي أن ينطلق ذلك كله من الإيمان بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الخالق‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ المحيي‏ ,‏ المميت‏ ,‏ وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم‏ ,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين‏ ,‏ومصائر الظالمين‏ .‏وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ضرورة الاستقامة على الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله‏ .‏
ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية‏ :‏خلق السماوات والأرض‏ ,‏ وخلق الأحياء‏ ,‏ وخلق الإنسان‏ ,‏ كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده‏ (سبحانه‏)‏ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم‏ ,‏ وإعطاء الإنسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار‏ ,‏ وعلي ابتغاء فضل الله‏ ,‏ ومن آياته الرعد والبرق‏ ,‏ وإنزال المطر‏ ,‏ وإحياء الأرض بعد موتها‏ ,‏ وقيام السماوات والأرض بأمره‏ ,‏ وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره‏ ,‏ وبعث الموتى بأمره‏ ,‏ وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض‏ .‏ومن آياته إرسال الرياح برحمة منه وفضل‏ ,‏ وجري الفلك بأمره‏ ,‏ وإثارة السحاب‏ ,‏ وما يستتبعه من أحداث بأمره‏ ,‏ ومرور كل حي بمراحل من الضعف‏ ,‏ ثم القوة‏ ,‏ ثم الضعف والوفاة‏ ,‏ ومن آياته أنه يحيي الموتى وأنه علي كل شيء قدير‏ .‏
وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين‏ ,‏ ونصر للمؤمنين‏ ,‏ كما تذكره‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ بأن ما عليه إلا البلاغ‏ .‏
وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله‏ ,‏ وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب‏ ,‏ ومصير أهل الإيمان والتقوى‏ ,‏ وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية‏ ,‏ وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل‏ ,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون‏ ,‏ فالله‏ (تعالى‏)‏ قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏ .‏
وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏ (تعالى‏)‏ له بالصبر على استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏ ,‏ والاطمئنان بأن وعد الله حق‏ ,‏ وهو واقع لا محالة‏ .‏
والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها‏ ,‏ ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها‏ ,‏ ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير‏:‏ أدني الأرض‏ ,‏ وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه‏ .‏
أدني الأرض في اللغة العربية :يقال في اللغة‏: (دنا‏) (يدنو‏) (دنوا‏)‏ بمعني قرب بالذات أو بالحكم‏ ,‏ ويستعمل في المكان‏ ,‏ والزمان‏ ,‏ والمنزلة‏ ,‏ كما يتعدى فيقال‏ (أدنى‏) (يدني‏) (إدناءة‏) ,‏ ويقال‏: (دانيت‏)‏ أو‏ (أدنيت‏)‏ بين الأمرين أي قاربت بينهما‏ ,‏ حتى صارت بينهما‏ (دناوة‏)‏ أي‏:‏ قرب أو قرابة‏ . .‏ و‏(‏الدنى‏)‏ القريب‏ ,‏ و‏(‏الدنئ‏)‏ بمعني الدون‏ ,‏ الخسيس‏ ,‏ وقد‏ (دنأ‏ -‏ يدنأ‏) ,‏ وفيهما‏ (دناءة‏) ,‏ ويقال ‏: (دنؤ‏)‏ بمعني انحط‏ ,‏ و‏(‏الدنيئة‏)‏ هي النقيصة‏ .‏قال‏ (تعالى‏) : " وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ " (الأنعام‏:99) .وقال‏ (سبحانه‏) :‏ " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " (النجم‏:9,8)‏ .وفي الحديث الشريف‏:‏ " إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم‏ " .‏ ويعبر بـ‏ (الأدنى‏)‏ تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد‏ (أو الأقصى‏)‏ من مثل قوله‏ (تعالى‏) : " إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ القُصْوَى " (الأنفال‏:42)‏ .وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض‏ (أو الأحقر‏)‏ فيقابل بالأعلى‏ (أو الأعز‏)‏ وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ " (الأحزاب‏:59)‏ .وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر‏ ,‏ من مثل قوله‏ (تعالى‏) : " وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ " (المجادلة‏:7) .وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير‏ ,‏ وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ " (البقرة‏:61)‏ .وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي‏ (الدنيا‏)‏ في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :‏ " مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ " (آل عمران‏:152) .وسميت‏ (الدنيا‏)‏ بهذا الاسم لدنوها‏ ,‏ والجمع‏ (الدنا‏) ,‏ وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين‏ ,‏ والنسبة إليها‏ (دنياي‏) ,‏ وقيل‏ (دنيوي‏)‏ ودني‏ ,‏ ويقال‏: (تدني‏)‏ فلان أي‏ (دنا‏)‏ قليلا قليلا‏ ,‏ و‏(‏تدني‏)‏ المستوي بمعني هبط‏ ,‏ و‏(‏تدانوا‏)‏ أي‏ (دنا‏)‏ بعضهم من بعض‏  .‏ 
شروح المفسرين : في تفسير قوله تعالى ‏:‏ " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم‏:1-‏5) .ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ قول ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ حيث قال‏ :‏ كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان‏ ,‏ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس‏ ,‏ لأنهم كانوا من أهل الكتاب‏ ,‏ فذكر ذلك لأبي بكر‏ (رضي الله عنه‏) ,‏ فذكره أبو بكر لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "‏ أما إنهم سيغلبون ‏" ,‏ فذكره أبو بكر للمشركين‏ ,‏ فقالوا‏:‏ اجعل بيننا وبينك أجلا‏ ,‏ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا‏ ,‏ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا‏ ,‏ فجعل أجل خمس سنين‏ ,‏ فلم يظهروا‏ ,‏ فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فقال ‏: "‏ ألا جعلتها إلى دون العشر؟ ‏" ,‏ ثم ظهرت الروم بعد‏ ,‏ قال فذلك قوله تعالى‏: " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " (الروم‏:1-‏5) .‏وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق‏ ,‏ وابن مسعود‏ ,‏ وعكرمة‏ (رضي الله عنهم أجمعين‏)‏ في المعني نفسه‏ ,‏ وزاد قوله‏:وأما الروم فهم من سلالة العيصبن إسحاق بن إبراهيم‏ ,‏ ويقال لهم بنو الأصفر‏ ,‏ وكانوا علي دين اليونان‏;‏ واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك‏ ,‏ وكانوا يعبدون الكواكب السيارة‏ ,‏ وهم الذين أسسوا دمشقوبنوا معبدها‏ ,‏ فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح‏ (عليه السلام‏)‏ بنحو من ثلاثمائة سنة‏ ,‏ وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له‏ (قيصر‏);‏ فكان أول من دخل في دين النصارى من الروم‏ (قسطنطين‏);‏ وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها‏  ,‏ واستمروا علي النصرانية‏ ,‏ كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم‏ (هرقل‏)  ,‏ فناوأه كسري ملك الفرس‏ ,‏ وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر‏ ,‏ وكانوا مجوسا يعبدون النار‏ ,‏ فتقدم عن عكرمة‏ (رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏:‏ بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه‏ ,‏ والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره‏ ,‏ وكسره وقصره حتى لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه‏ ,‏ ولم يقدر كسري علي فتح البلدة‏ ,‏ ولا أمكنه ذلك لحصانتها‏ ,‏ لأن نصفها من ناحية البر‏ ,‏ ونصفها الآخر من ناحية البحر‏ ,‏ فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك‏ ,‏ ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع‏ ,‏ فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع‏ .‏وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ (يرحمهما الله‏)‏ كلاما موجزا في المعني نفسه‏ ,‏ وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني‏ (في أدني الأرض‏)‏ أن المقصود به‏:[‏ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة‏ ,‏ التقي فيها الجيشان‏ ,‏ والبادي بالغزو‏ (هم‏)‏ الفرس‏ .] .‏وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه ‏:‏ ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين‏  ,‏ وأضاف رواية عبد الله بن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة‏ ,‏ تتفق كلها في المعني والدلالة‏ ,‏ وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير‏ .‏وجمع الكاتب‏ (رحمه الله‏)‏ من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها‏ :‏ الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان‏;‏ ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر‏ (رضي الله عنه‏)‏ في غير تلعثم ولا تردد‏ ,‏ والمشركون يعجبون من قول صاحبه‏ ,‏ فما يزيد علي أن يقول‏:‏ صدق‏ ,‏ ويراهنونه فيراهن وهو واثق‏ ,‏ ثم يتحقق وعد الله‏ ,‏ في الأجل الذي حدده‏:‏ في بضع سنين‏ .والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله‏ ,‏ في هذا الحادث وفي سواه‏ ,‏ وتقرير هذه الحقيقة الكلية‏ ,‏ لتكون ميزان الموقف‏ ,‏ وميزان كل موقف‏ ,‏ فالنصر والهزيمة‏ ,‏ وظهور الدول ودثورها‏ ,‏ وقوتها وضعفها‏ ,‏ شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال‏ ,‏ مرده كله إلي الله‏ .‏
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه ‏:‏ احتربت الفرس والروم فيما بين أذرعات وبصري من أرض الروم يومئذ‏ ,‏ وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلي مكة‏ ,‏ وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين‏ ,‏ وقيل بست‏ .‏ فظهر الفرس علي الروم‏ ,‏ فلما بلغ الخبر مكة شق علي المؤمنين‏ ,‏ لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب‏ ,‏ والروم أهل كتاب‏;‏ وفرح المشركون وقالوا‏:‏ أنتم والنصارى أهل كتاب‏ ,‏ ونحن والفرس أميون‏ ,‏ وقد ظهر إخواننا علي إخوانكم‏ ,‏ ولنظهرن نحن عليكم‏ ,‏ فنزلت الآية وفيها‏:‏ أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين‏ .‏والبضع ‏:‏ ما بين الثلاث إلي التسع و‏(‏غلبهم‏)‏ كونهم مغلوبين‏ .وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏:‏ غلبت فارس الروم في أقرب الأرض من العرب‏ ,‏ وهي أطراف الشام‏ ,‏ وهم بعد انهزامهم سيغلبون الفرس‏ ,‏ قبل أن تمضي تسع سنوات‏ . .‏ وكان المشركون قد فرحوا بانتصار فارس‏ ,‏ وقالوا للمسلمين‏:‏ سنغلبكم كما غلبت فارس الروم التي هي من أهل الكتاب‏ . .‏ وقد حقق الله وعده فانتصر الروم علي فارس في الأجل الذي سماه‏ ,‏ فكان ذلك آية بينة علي صدق محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في دعواه وصحة ما جاء به‏ .‏وجاء في الهامش التعليق التالي‏:‏ في هذه الآيات الشريفة إشارة إلي حدثين ‏:‏ كان أولهما قد وقع بالفعل‏ ,‏ وأما الثاني فلم يكن قد وقع بعد‏ ,‏ وهو إخبار عن الغيب‏ , (وحدد لوقوعه بضع سنين فيما بين الثلاث والتسع‏) .‏وتفصيل الحدث الأول أن الفرس والبيزنطيين قد اشتبكوا في معركة في بلاد الشام علي أيام خسرو أبرويز أو خسرو الثاني عاهل الفرس المعروف عند العرب بكسري‏ .‏ وهيراكليوسالصغير الإمبراطور الروماني المعروف عند العرب بهرقل‏;‏ ففي عام‏614‏ م استولي الفرس علي أنطاكية أكبر المدن في الأقاليم الشرقية للإمبراطورية الرومانية‏ ,‏ ثم علي دمشق‏ ,‏ وحاصروا مدينة بيت المقدس إلي أن سقطت في أيديهم وأحرقوها ونهبوا السكان وأخذوا يذبحونهم‏ .‏وتفصيل الحدث الثاني أن هرقل قيصر الروم الذي مني جيشه بالهزيمة لم يفقد الأمل في النصر‏ ,‏ ولهذا أخذ يعد نفسه لمعركة تمحو عار الهزيمة‏ ,‏ حتى إذا كان عام‏622‏ الميلادي‏ (أي العام الهجري الأول‏)‏ أرغم الفرس علي خوض معركة علي أرض أرمينيا وكان النصر حليف الروم‏ ,‏ وهذا النصر كان فاتحة انتصارات الروم علي الفرس‏  ,‏ فتحققت بشري القرآن‏ .
وثمة حدث ثالث يفهم من سياق هذه الآيات الشريفة كان مبعث فرح المسلمين وهو انتصارهم علي مشركي قريش في غزوة بدر التي وقعت في يوم الجمعة‏17‏ رمضان من العام الثاني الهجري‏ (أي سنة‏624‏ م‏) .‏
وجاء في صفوة التفاسير ما نصه ‏: (غلبت الروم في أدنى الأرض‏)‏ أي هزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلي فارس‏ (وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏)‏ أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس‏ ,‏ وينتصرون عليهم‏ (في بضع سنين‏)‏ أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام‏;‏ والبضع ما بين الثلاث والتسع‏ .‏وأشار صاحب صفوة التفاسير‏ (جزاه الله خيرا‏)‏ إلي أقوال المفسرين السابقين وعلق علي قوله‏ (تعالى‏): (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)‏ ما نصه‏:‏ وقد التقي الجيشان في السنة السابعة من الحرب‏ ,‏ وغلبت الروم فارس وهزمتهم‏ ,‏ وفرح المسلمون بذلك‏;‏ قال أبو السعود‏ :‏ وهذه الآيات من البينات الباهرة‏ ,‏ الشاهدة بصحة النبوة‏ ,‏ وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير‏ ,‏ ووقع كما أخبر‏ ,‏ وقال البيضاوي‏:‏ والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب‏ .‏وأضاف صاحب صفوة التفاسير في شرح قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : " وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ " (الروم‏:1-‏5)‏ ما نصه ‏:‏ وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر‏;‏ قال ابن عباس‏:‏ كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان‏ ,‏ وعبدة النيران‏ .‏ويوم بدر وقع في السنة الثانية من الهجرة‏ (الموافق سنة ‏624‏م‏) ,‏ وعلي ذلك فإن هزيمة الروم علي أيدي الفرس لابد وأنها كانت قد وقعت في حدود سنة ‏614‏م إلى ‏615‏م‏ .‏
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام‏ (علي واضعه رحمة الله‏)‏ ما نصه‏:وعندما تولي هرقل عرش الروم سنة ‏610‏م‏ (وهي سنة البعثة المحمدية‏)‏ كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة ‏613‏م عند أنطاكية‏ ,‏ واستولوا علي فلسطين والقدس سنة ‏614‏م‏ ,‏ وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة ‏618‏م أو ‏619‏م‏ ,‏ وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة ‏622‏م‏ ,‏ وفي سنة ‏627‏م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوى‏ ,‏ واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر‏ ,‏ وفي سنة ‏630‏م استعاد بيت المقدس‏ .‏


ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية علي أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة ‏614‏م إل‏615‏م‏ ,‏ وأن استعادتهم النصر علي الفرس كانت في حدود سنة‏624‏ م‏ ,‏ واستمر تقدم الروم علي أرض الفرس حتى تم لهم استعادة بيت المقدس‏ .‏وواضح من شروح المفسرين أن المقصود بالتعبير القرآني في أدني الأرض الذي يصف أرض المعركة التي تمت فيها هزيمة الروم أمام جحافل جيش الفرس هو أقرب الأرض إلي مكة المكرمة أو إلي الجزيرة العربية أو إلي أرض الفرس‏ . .‏ ولكن الدراسات الحديثة تؤكد أن منطقة حوض البحر الميت‏ ,‏ بالإضافة إلي كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلي الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلي حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوي سطح البحر‏ ,‏ وان هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين إمبراطوريتي الفرس والروم‏ ,‏ وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس علي جيوش إمبراطورية روما الشرقية‏ (الإمبراطورية البيزنطية‏)‏ لابد أنها وقعت في حوض البحر الميت‏ ,‏ وأن الوصف بأدنى الأرض هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية‏ ,‏ يعني أيضا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ وهذه الإشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله‏ ,‏ لأن أحدا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ .‏
أدنى الأرض في العلوم الحديثة :ثبت علميا بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحر الميت‏ ,‏ ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضا‏ ,‏ حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ وهو بحيرة داخلية بمعني أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءا من اليابسة‏ .‏وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا‏ ,‏ فالحدود الجنوبية لتركيا‏ ,‏ مرورا بالبحر الأحمر‏ ,‏ وخليج العقبة‏ ,‏ ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي‏ ,‏ وبحر العرب وخليج عدن‏ ,‏ ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن حوالي الستمائة كيلومتر‏ ,‏ ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال‏ ,‏ ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا‏ .‏ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحر الميت إلي‏402‏ مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين‏:‏ الأحمر والأبيض المتوسط‏ ,‏ وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية ‏:‏ منسوب سطح الأرض في وادي عربة‏=355‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب أعمق نقاط قاع البحر الميت‏=794‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الماء في البحر الميت‏=402‏ تحت مستوي سطح البحر‏ .مستوى سطح الأرض في غور الأردن‏=212‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا‏=209‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب قاع بحيرة طبريا‏=252‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصر الغربية‏=133‏م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت‏/‏ كاليفورنيا‏=86‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .‏
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم‏/‏مصر‏=45‏ م تحت مستوي سطح البحر‏ .
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار‏ ,‏ وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف‏ ,‏ ويعتقد انه كان جافا إلي عهد غير بعيد من تاريخه‏ ,‏ وكان عامرا بالسكان‏ ,‏ وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة‏ ,‏ ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم بحيرة لوط بحيرة زغر‏ ,‏ البحر النتن‏ ,‏ بحر عربة‏ ,‏ بحر الأسفلت والبحر الميت‏ ,‏ وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها‏ ,‏ ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم‏ ,‏ واندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط‏ (عليه السلام‏)‏ الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي‏:‏ سدوم‏ ,‏ وعمورة‏ ,‏ وأدمة‏ ,‏ وصوبييم‏ ,‏ وزغر‏ ,‏ وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) : " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ "(‏هود‏:82)‏ .والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة‏ ,‏ وبتفجر كل من العيون المائية‏ ,‏ والأبخرة الكبريتية الحارة فيها‏ ,‏ وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحر الميت إلي عهد غير بعيد‏ .‏
وقرى قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي‏25‏ مليون سنة مضت‏ ,‏ ولكن بعد تدميرها بالعقاب الإلهي دخلت المنطقة برحمة من الله‏ (تعالى‏)‏ في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط‏ ,‏ وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحر الميت‏ ,‏ والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة‏ .‏وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة‏ ,‏ وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية‏ ,‏ وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده‏ ,‏ ولابد أن كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار‏ ,‏ وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم ـ في أول الأمر بأدنى الأرض ـ وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر إلى الإعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي فبالإضافة إلي ما جاء بتلك الآيات من إعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب‏ ,‏ وحدد لوقوعه بضع سنين‏ ,‏ فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة‏ ,‏ فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا‏ ,‏ يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏ .‏
وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق‏ ,‏ فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد على أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق‏ ,‏ وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏ .‏
وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية‏ ,‏ أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصرى من أرض الشام‏ ,‏ أو علي أرض أنطاكية‏ ,‏ أو علي أرض دمشق‏ ,‏ أو أرض بيت المقدس‏ ,‏ أو أرض مصر‏ (الإسكندرية‏)‏ أن يعيدوا النظر في استنتاجاتهم‏ ,‏ لأن القرآن الكريم يقرر أن هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة ـ البحر الميت ـ الأردن التي أثبت العلم أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏ ,‏ والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدنى الأرض انطباقا تاما ودقيقا‏ .‏
وعلى الذين قالوا إن معنى أدنى الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس‏ ,‏ أو من بلاد العرب‏ ,‏ أو هي أطراف بلاد الشام‏ ,‏ أو بلاد الشام‏ ,‏ أو أنطاكية‏ ,‏ أو دمشق‏ ,‏ أو بيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك‏ ,‏ لأن حدود الإمبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري‏ ,‏ وعليه فلا يعقل أن يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب‏ ,‏ فقط‏ ,‏ وان كانت أرض الأغوار هي أقرب الأرض إلي بلاد العرب‏ ,‏ بل هي في الحقيقة جزء من أرض شبه الجزيرة العربية‏ .‏ فسبحان الذي أنزل هذا التعبير المعجز أدنى الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا أن الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدنى الأرض‏ ,‏ وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم‏ ,‏ وذلك لقول الحق‏ (عز من قائل‏ ) :‏" الـم .غُلِبَتِ الرُّومُ . ‏فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . ‏فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ " (الروم‏:1‏ ـ‏5) .

﴿ وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ ﴾. [‏‏ الحديد : 27 ]


بقلم : د زغلول النجار - التاريخ : 2010-02-27
في هذا النص القرآني الكريم جاء في خواتيم سورة الحديد وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها تسع وعشرون ‏(29)‏ بعد البسملة‏.‏
وقد سميت بهذا الاسم لحديثها عن إنزال الحديد إلى الأرض من السماء‏,‏ وهي حقيقة لم تتوصل إليها المعارف المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏  كما تتحدث السورة الكريمة عما في الحديد من بأس شديد‏,‏ وماله من منافع للناس وهو ما أثبتته المعارف المكتسبة كذلك مؤخرا‏.‏ وسورة الحديد هي السورة الوحيدة من بين سور القرآن الكريم التي تحمل اسم عنصر من العناصر المعروفة لنا‏,‏ والتي يبلغ عددها أكثر من مائة عنصر‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الحديد حول قضية التشريع الإسلامي ـ شأنها في ذلك شأن كل السور المدنية ـ وإن لم تغفل قضية العقيدة الإسلامية‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الحديد‏,‏ وما جاء فيها من تشريعات‏,‏ وركائز العقيدة الإسلامية‏,‏ وعدد من الإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا على أوجه الإعجاز التاريخي والتربوي والعلمي في وصف القرآن الكريم لعدد من المواقف الرئيسية في سيرة عبد الله ونبيه المسيح عيسى ابن مريم ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وذلك في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال وفي غيره من آيات القرآن المجيد‏.‏
من أوجه الإعجاز في استعراض القرآن الكريم لعدد من المحطات الرئيسية في سيرة المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ‏:‏
جاء ذكر المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ في كتاب الله خمسا وثلاثين مرة ‏(35)‏ منها ما جاء باسم المسيح ‏(3‏ مرات‏),‏ وما جاء باسم عيسى ‏(9‏ مرات‏),‏ وما جاء باسم ابن مريم‏ (‏مرتان‏)‏ وباسم عيسى ابن مريم‏ (13‏ مرة‏)‏ وباسم المسيح ابن مريم‏ (5‏ مرات‏)‏ وباسم المسيح عيسى ابن مريم ‏(3‏ مرات‏),.
وهذه الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى الحقيقة التاريخية والدينية لرسول من أولي العزم من الرسل هو المسيح عيسى ابن مريم‏ (‏عليه وعلى أمه السلام‏),‏ وتشير الآيات إلى أن السيدة مريم ابنة عمران رزق بها والدها على الكبر إثر دعاء عريض‏,‏ فكانت ابنة لأبوين صالحين‏,‏ وكان أبوها من بيت النبوة حيث ينتمي نسبه إلى سليمان بن داود - عليهما السلام- وبلغ بالأبوين الصالحين الكبر دون أن يرزقا بذرية فتوجهت زوجة عمران إلى الله ـ تعالى ـ بالدعاء أن يرزقها ولدا تهبه لخدمة المسجد الأقصى‏,‏ والقيام على سدانته‏,‏ ومع إلحاحها في الدعاء‏,‏ وإخلاصها وخشوعها استجاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ دعاءها فحملت‏,‏ وقبل أن تضع حملها فارق زوجها العبد الصالح عمران دنيا الناس وترك زوجته الحامل أرملة‏.‏
ولما جاء وقت الوضع‏,‏ فوجئت أرملة عمران بأن وليدها أنثي‏,‏ فسمتها مريم وعرفت باسم
 مريم ابنة عمران وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ
 وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا  وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾  [‏‏ آل عمران‏:33‏ ـ‏36].
وتنازع الصالحون المعاصرون فيما بينهم من يكفل مريم‏,‏ ولكن الله ـ تعالى ـ كفلها زوج خالتها‏,‏ الذي كان نبي ذلك الزمان في قومه‏,‏ وهو العبد الصالح والنبي الصالح زكريا الذي رعاها حتى كبرت‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ
 وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ آل عمران‏ :37 ].‏
وَإِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ
 وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [ آل عمران‏:42‏ ـ‏46 ].‏
اجتهدت مريم في العبادة والتنسك والزهد في الدنيا‏,‏ والتبتل في الطاعة حتى فوجئت في يوم من الأيام بالملائكة تبشرها بأن الله  ‏(تعالى‏)‏ سوف يهب لها ولدا زكيا‏,‏ وأن هذا الولد سيكون نبيا كريما مؤيدا بالمعجزات‏,‏ فتعجبت من قضاء الله‏,‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم‏:‏

إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
 وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [ ‏آل عمران‏:45‏ ـ‏47 ].‏
وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِياًّ * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ
 مِنكَ إِن كُنتَ تَقِياًّ * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِياًّ * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِياًّ *
قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِياًّ * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِياًّ * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِياًّ * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِياًّ * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِياًّ * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِياًّ * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِياًّ * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِياًّ * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِياًّ * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياًّ * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ * وَبَراًّ بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِياًّ * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وَلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَياًّ ﴾ [ ‏مريم‏: 16‏: ‏33 ].‏
وعند بلوغ عيسى ابن مريم سن الثلاثين جاءه وحي السماء بالنبوة والرسالة‏,‏ وأنزل عليه الإنجيل وأمره الله ـ تعالى ـ بدعوة بني إسرائيل إلى دين الله الحق‏ (‏الإسلام‏)‏ بعد أن كانوا قد انحرفوا عنه‏,‏ وأشركوا بالله‏,‏ وعبدوا الأصنام والأوثان‏,‏ وطففوا المكيال والميزان‏,‏ وأقبلوا على ماديات الحياة بشراهة منقطعة النظير‏,‏ وعبدوا المال والجاه والسلطان من دون الله‏,‏ وحرفوا التوراة‏,‏ وزوروا تعاليم الله‏,‏ وأفسدوا في الأرض إفسادا كبيرا‏,‏ وأشاعوا فيها مختلف صور النفاق‏,‏ والرياء‏,‏ والكذب‏,‏ والطمع‏,‏ والشره‏.‏ فتفشت بينهم المظالم والمفاسد والتجاوزات التي انحطت بهم إلى مادون مستوي الحيوانات‏.‏
مضى نبي الله ورسوله عيسى ابن مريم في دعوته لليهود من أجل أن يعودوا إلى دين الله‏ (الإسلام‏)‏ الذي علمهم إياه رسولهم موسي (‏عليه السلام‏)‏ ولكن لم يؤمن معه إلا أقل القليل من الحواريين ومن فقراء اليهود وضعفائهم‏,‏ ولذلك بدأ كفار اليهود في شن حملاتهم عليه فاتهموا أمه بالزنا  ‏(شرفها الله‏)‏ واتهموه هو بالسحر والهرطقة والكذب والاتصال بالشياطين‏,‏ وهو الرسول الموصول بالوحي والمؤيد بجبريل  ‏(عليه السلام‏).‏
ثم أخذ اليهود في الكيد لنبي الله عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ عند الرومان الذين كانوا يحتلون أرض فلسطين آنذاك‏,‏ وأقنعوا الوالي الروماني أن نبي الله عيسى يكتل الناس حوله للقيام بعصيان مدني أو ثورة شعبية ضد الرومان المحتلين فحاولوا القبض عليه وصلبه حيا‏,‏ ولكن الله ـ تعالى ـ رفعه إليه ونجاه من كيدهم‏.‏
من هذا الاستعراض للإشارات القرآنية التي جاءت بشيء من ذكر عبد الله ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام ـ تتضح أوجه من الإعجاز التاريخي والتربوي والعلمي تشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (‏اللغة العربية‏)‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين‏.‏

مركز تحميل الصور الاسلامية

تحدي بين مدرس يهودي وطالب مسلم

su-34

أركان الإسلام

a7dathalnihaya