الاثنين، 26 سبتمبر 2011
زكريا بطرس يتهم المسلمين ورسولهم بحب الجنس والشذوذ الجنسي
تركي الظفيري
يخرج علينا المدعو زكريا بطرس من خلال قناة الحياة، وهي قناة عربية تنصيرية، تعلن مهاجمة الإسلام وتدعو لتنصير المسلمين، تبث على القمر الأوربي من قبرص على مدى 24 ساعة ، وهي موجهة للناطقين باللغة العربية في كل من البلاد العربية ،وشمال أفريقيا، وأوروبا . بدأت بثها في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول 2003م.
وقد أخذت هذه القناة على عاتقها مهمة بث الشبهات والافتراءات حول العقائد والشرائع الإسلامية، ورفع راية الحرب على دين الإسلام؛لزعزعة الإيمان في قلوب المسلمين؛ولتثبيت الإيمان في قلوب النصارى.
وخطورة هذه الشبهات والافتراءات تأتي من عدة أمور :
1. تبسيطها للمشاهدين، وتيسير فهمها بلهجة عامية وبكلمات يفهمها كل من يشاهد البرنامج .
2. العديد من الناس لا يقرأ مثل هذه الأكاذيب والشبهات من كتب المستشرقين، وهذه القناة تريد إخراجها ليراها الجميع فيبدأ الشك يخترق القلوب المريضة.
3. لا يسمح بالرد والمناقشة في هذا البرامج، فكل الرسائل التي تصلهم يقرؤون بدايتها ثم يستمرون في موضوعهم دون إكمالٍ لرد المرسل عليهم ، ولا يفتح مجال للرد على الشبهات وهذا يجعلهم يتحكمون فيما يطرح دون مراعاة لأحد يناقشهم أو يرد عليهم .
ويقوم على هذه الهجمة القمص زكريا بطرس من خلال عدة برامج مليئة بالكذب والافتراءات، فكانت مهمته الرئيسة أخذ الشبهات والافتراءات من كتب المستشرقين والمنصرين وتقريبها لأذهان المشاهدين. وفي إحدى حلقات برنامجه: أسئلة عن الإيمان تحدث عن نعيم الجنة، وركز على ما أسماه بالجنس عند المسلمين، واتهم الرسول-صلى الله عليه وسلم- بحب الجنس وأن عشرات الآلاف من الأحاديث جنسية، وزعم أن المسلمين يريدون الجنة لأجل الحور العين فقط، بل ويزعم أن الهدف من الولدان المخلدين في الجنة هو الشذوذ الجنسي،وينقل هذا الكلام عن كاتب مسلم بالغ في شذوذه، وبطرس بدوره يصور للمشاهدين أن هذا الكتاب يعبر عن رأي المسلمين متجاهلاً كل أقوال المفسرين وشراح الأحاديث المعتبرين عند المسلمين.
وكثيراً ما يؤكد هذا الرجل على أن مصدر ما يقول من كتب المسلمين، وهو بهذا يموه على المشاهدين، وقد تأملت كثيراً في استدلالاته ووجدت أنه يعرض الدليل من كتاب أو سنة ثم يذكر شرح الأئمة له، ثم يدس سمومه في أثناء حديثه ، وكأنه يريد أن يجعل لكلامه مصداقية، مع أن الأئمة لم يذكروا ما قال، ولم يشيروا إليه في معرض شرحهم ، فمثلاً : لما اتهم المسلمين بالشذوذ الجنسي في الجنة ذكر أن هذا الأمر يتفق مع كلام ابن القيم – رحمه الله- في حادي الأرواح : " فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها في القيامة أكمل ما تكون " ، فانظر إلى هذا الربط الذي لا يراد منه إلا التشكيك والتشكيك فقط . فهل الشذوذ المخالف للفطرة لذة أصلاً، بل هو انتكاسة فطرية، عاقب عليها الإسلام أشد العقوبة ، وجريمة عظيمة تستحق عقوبة القتل الشنيع، فالإسلام لا يرى الشذوذ لذة مرغوبة، بل هو قذارة مكروهة ، ونقرأ في كتاب ربنا قصة قوم لوط وكيف استحقوا العقوبة بسبب فعلتهم فقال تعالى: ((فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ{82} مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )) (هود:82-83) ، ثم هل من ترك القتل والسرقة والظلم في الدنيا سينالها في الآخرة؟، وهل تكون لذة بهذا الاعتبار؟. وعند النظر في هذه الاتهامات نجدها بعيدة عن المنهج العلمي، ولم يستطع زكريا بطرس أن يقيم دليلاً واحداً صحيحاً على ما يقول، فكل الافتراءات التي أوردها بعيدة كل البعد عن المنهج العلمي.
نحن بحاجة ماسة لإيقاف هذه المهزلة التي يتغنى بها زكريا بطرس من خلال برامجه في قناة الحياة، أو من خلال غرفة البالتوك التي يشرف عليها، ويجب على أهل العلم الرد على هذه الافتراءات الهزيلة حتى لا تستشري بين أوساط المسلمين، ويجب علينا كمسلمين المطالبة بإيقاف الهجوم السافر على الإسلام والمسلمين -الذي تتبناه قناة الحياة الفضائية- بالطرق المشروعة كرفع الدعاوى القضائية، أو الضغوطات السياسية والاقتصادية، أو المسيرات السلمية، فطرق الدفاع المشروع عن الإسلام كثيرة جداً ، فهل نكون على قدر المسؤولية في دفاعنا عن مقدساتنا، فنقوم بما تبرأ به ذممنا؟ اللهم اجعلنا من أنصار دينك.
نقلا :عن موقع صيد الفوائد: http://www.saaid.net/
شبهة سبق الغرب للمسلمين في وضع مناهج البحث العلمي
بقلم الدكتور عبد الرحيم الشريفالدكتور في علوم القرآن والتفسير
هل كل الفضل للغرب في كل الاختراعات، وهل العرب عالة على الغرب في الاختراع ومنهجية البحث العلمي ؟
هذه دراسة من مقدمة رسالة الماجستير للدكتور أحمد إدريس الطعان تبحث في ذلك:
التجربة في الأمور الخاضعة للتجربة فطرة أصلية في النفس الإنسانية ، فالإنسان يلجأ إليها بشكل تلقائي إذا أمكنه ذلك ليتأكد من صحة أحكامه ، أو ليختبر بعض القضايا ، وربما يفعل ذلك دون الاعتماد على قـواعد معينة لذلك ، ولذلك يقـول كلود برنارد: " إنني أعتقد أن كبار المجربين قد ظهروا قبل أن توجد القواعد العـامة لفن التجريب ، ومن ثم يبدو لي أنه لا يحق لأحد أن يقول في حديثه عن بيكون إنه اخترع المنهج التجريبي ، ذلك المنهج الذي استخدمه جاليلو وتورشيلي على نحو جدير بالإعجاب عجز عنه بيكون "(1).
ويرى الدكتور محمود قاسم أن الباحث قد يهتدي إلى قواعد التجريب أثناء بحوثه ومحاولاته الكشف والبحث ، فربما صنف هذه القواعد ليستفيد منها غيره ، وربما يترك مهمة تصنيفها لغيره (2).
ومن هنا يبدو لنا خطأ الفكرة المنتشرة على أنها حقيقة لا مراء فيها ، وتتردد كثيراً على الألسنة والأقلام وهي أن المنهج التجريبي ولد ونضج في الغرب على يد البيكونين " روجر وفرنسيس " وجون استيوارت مل (3).
والحقيقة أن هنالك علماء وباحثين غربييين منصفين أكدوا أن العرب والمسلمين قدموا للإنسانية حضارة باسقة في كافة المجالات التجريبية والنظرية ، وأنهم كانوا سباقين إلى ميادين التجربة والملاحظة اللتين تسلح الغرب بهما فيما بعد ونهض نهضته المشهودة .
وقبل أن نسرد بعض الأقوال والشهادات المنصفة لعلماء غربيين لا بد أن نعترف بأن المسلمين اليوم وفي العصور المتأخرة لم يتابعوا نهج أسلافهم في استخدام المنهج التجريبي ، وأنهم قصّروا في تطبيقه تقصيراً مخجلاً ، في الوقت الذي استفاد الغرب من هذا الميراث الإسلامي ، وانطلق يطبقه في كافة المجالات والصعد ، وبقي المسلمون متخلفين عن ركب الحضارة .
تقول زيغريد هونكه : " إن الإغريق تقيدوا دائماً بسيطرة الآراء النظرية ، ولم يبدأ البحث العلمي القائم على الملاحظة والتجربة إلا عند العرب" (4). وتقول : " لم يكن مستوى روجر بيكون العلمي في الكيمياء أرفع من معاصريه ألا أنه رأى في التجربة التي أخذها عن العرب السبيل الحقيقي للوصول إلى نتائج حاسمة في العلوم الطبيعية وخاصة في الكيمياء ، وهكذا كان روجر علماً متوهجـاً سطع في سماء القرون الوسطى المظلمة وفي حناياه روح الشاعر الأندلسي ابن الخطيب الذي قال : مبـدئيـاً يجب أن يكـون كـل برهـان متـوارث قـابلاً للتعـديل إذا مـا اتضـح لحواسنا عكسه" (5).
ويضطر أيضاً فون كريمر للاعتراف بدور العرب في حقل المعرفـة التجريبية ، وإن كان هذا الإنصاف منه مقدمة لما يريد أن يصل إليه من إقناعٍ للقارئ بتفوق الجنس الآراي واليوناني على غيره يقول : " إن أعظم نشاط فكري قام به العرب يبدو لنا جلياً في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم ، فإنهم كانوا يُبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يُلاحظون ويمحصون ، وحين يَجمعون ويُرتبون ما تعلموه من التجربة ، أو أخذوه من الرواية والتقليد ، ولذلك فإن أسلوبهم في البحث أكبر ما يكون تأثيراً عندما يكون الأمر في نطاق الرواية والوصف" (6).
ثم إن الرجل يعود ليتبزّ المسلمين حقهم في حقل المعرفة النظرية ، وينسب كل ما عندهم لليونان ، ولعل هذه غايته التي يريد أن يصل إليها ، وأراد بمقدماته تلك أن يكسب ثقة القارئ ، عندما يخيل إليه أنه منصفٌ لا يهمه إلا الوصول إلى الحقيقة العلمية ، وهذا شأن المستشرقين جلهم يدسون السم في العسل .
ويؤكد الدكتور فرانتز روزنتال أن المسلمين كانوا ينظرون إلى التجربة والملاحظة على أنها ذات قيمة فريدة في البحث العلمي ، وأننا نجد أمثلة هائلة لذلك في الحضارة الإسلامية في حقول المعرفة المتنوعة ، وينقل هذه العبارة عن ابن أبي أصيبعة عن الرازي (7): " متى كان اقتصـار الطبيب على التجـارب دون القيـاس وقـراءة الكتب خُـذل" (8)مما يدل على أن التجربة كانت عند الأطباء منتشرة بشكل كبير ، وأنه كان يحمد للطبيب أن يضم إلى تجاربه العلمية القراءة النظرية والقياس العقلي .
ونضرب الآن بعض الأمثلة من الفكر الإسلامي نستدل بها على اعتماد المسلمين بشكل كبير على التجربة والملاحظة :
فبشأن الحسن ابن الهيثـم (9)تقول زيغريد هونكه : لقد علّم إقليدس وبطليموس بأن العين المجردة ترسل أشعةً إلى الأشياء التي تريد رؤيتها فجاء ابن الهيثم وأعلن أن هذا الادعاء خاطئ لأنه ليس هناك أشعةً تنطلق من العين ليتحقق النظر بل إن شكل الأشياء المرئية هي التي تعكس الأشعة على العين فتبصرها هذه بواسطة عدستها.
كما يرى الأستاذ مصطفى نظيف إلى أن ابن الهيثم أخذ بالاستقراء قبل بيكون ، ويعتبره من أبرز علماء الطبيعة . ويذهب إلى أن أثر ابن الهيثم في علم الضوء لا يقل عن أثر نيوتن في علم الميكانيكا (10). ونستطيع أن نتبين قواعد المنهج عند ابن الهيثم وأصوله من خلال هذا النص الذي ينقله مصطفى نظيف عن ابن الهيثم يقول : " ونبتدئ في البحث باستقراء الموجـودات ، وتصفح أحوال المُبْصَرات ، وتمييز خواص الجزئيات ، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار ، وما هو مطرد لا يتغير ، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ، ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدرج والتدريب مع انتقاء المقدمات ، والتحفظ من الغلط في النتائج ، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل ، لا اتباع الهوى ، ونتحرى في سائر ما نجيزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء " .
ويعلق الأستـاذ مصطفى نظيف على هذا المنهج بقوله : " في هذا القول الموجز جمع ابن الهيثم بين الاستقراء والقياس ، وقدم فيه الاستقراء على القياس ، وحدد فيه الشرط الأساسي في البحوث العلمية الصحيحة وهو أن يكون الغرض طلب الحقيقة " (11).
ويضيف الأستاذ مصطفى نظيف : " بل إن ابن الهيثم قد عمق تفكيره إلى ما هو أبعد غوراً مما يظن أول وهلة فأدرك ما قال به من بعده " ماك " و " كارل بيرسون " وغيرهما من فلاسفة العلم المحدثين في القرن العشرين " (12).
ومن مميزات ابن الهيثم أيضاً : أنه كان يشرح الجهاز ، ويبين وظيفة أجزائه المختلفة ، ويستعمل أجهزة مبتكرة لشرح الانعكاس والانعطاف ، وتدل تجاربه وحساباته أنه استطاع أن يجمع بين مقدرته الرياضية ، وكفايته العلمية الممتازة ، يدل على ذلك صنعه للأجهزة ، واستعمالها في أغراضٍ مختلفة (13).
كما يعتني ابن الهيثم إلى جانب عنايته بالتجربة والاستقراء ، بالقياس كما في كتابه " المناظر " ، فهو ينتقل من التجربة إلى القياس ، ويستنبط من ذلك قضايا مهمة ، ويشرح ظواهر خطيرة في الضوء (14). كما أدرك ابن الهيثم قيمة التمثيل في البحوث العلمية فاستعان به في بعض المواضع (14).
هذا فيما يتعلق بابن الهيثم ، ونجد في علم الميكانيكا أو علم الحيل أشهر من كتب في ذلك من علماء المسلمين محمد وأحمد وحسين أبناء موسى بن شاكر ، إذ لهم كتاب يحتوي على مائة تركيب ميكانيكي (16).
ولعلمـاء المسلمين كتب في عـلم مراكز الأثقال ، وهو علم يتعرف منه كيفية استخراج ثقل الجسم المحمول . ولهم فضل كبير في علم السوائل وما يتصل به من ظواهر تتعلق بضغط السوائل وتوازنها (17).
وللخازن كتاب " ميزان الحكمة " كتبه سنة 1137 م وفيه وصف دقيق مفصل للموازين التي كان يستخدمها علماء المسلمين في تجاربهم ، وفيه أيضاً وصف لميزان استخدم في وزن الأجسام بالهواء والماء . ويتضمن هذا الكتاب أيضاً بحثاً في الضغط الجوي ، وكان بذلك أسبق من تورشيلي ، ويحتوي كذلك على المبدأ القائل بأن الهواء كالماء يحدث ضغطاً من أسفل إلى أعلى على أي جسم مغمور فيه ، ومن هذا استُنتج أن وزن الجسم في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي ، واستفاد الأوربيون بعده من اكتشافاته ، وبنوا عليها بعض الاختراعات كالبارو متر ومفرغات الهواء " (18). كما تضمن هذا الكتاب بحثاً في الجاذبية مبيناً أن هناك علاقة بين سرعة الجسم والبعد الذي يقطعه والزمن الذي يستغرقه ، وقال الخازن في كتابه هذا بأن قوى التثاقل تتجه دائماً إلى مركز الأرض (19).
وتابع الخازن علماء آخرون مثل ثابت بن قرة ، وموسى بن شاكر وغيرهما ، حيث قالوا بالجاذبية وعرفوا شيئاً عنها ، ومن أشهرهم ، محمد بن عمر الرازي حيث قال : " إننا إذا رمينا المدرة إلى فوق ، فإنها ترجع إلى أسفل ، فعلمنا أن فيها قوة تقتضي الحصـول إلى أسفل ، حتى إنه لما رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوة إلى السفل ." (20).
ويتساءل الدكتور مصطفى حلمي : أليس في هذا تمهيداً لفكرة الجاذبية؟ (21)
ويرى الأستاذ العقاد أن البيروني ([22]) كان له الفضل في ذلك حيث اعترض على رأي الإغريق القائـل بأن الأجسام الثقيلة مجذوبة إلى أصلها في السماء ، ورجح أن الأجسام كلها مجذوبة إلى مركز الأرض، وقد مهد بآرائه هذه السبيل لنيوتن لكشف قانون الجاذبية (22). كما أن البيروني هو الذي اكتشف دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وليس كوبر نيكوس أو غيره كما يشاع (24)
وفي علم الطب يعد أبو بكر محمد الرازي 844 –926 م أول الأطباء المسلمين الكبار وقد اعتبره جميـع المؤرخين واحداً من أعظم الأطباء في جميع العصور ، ومن أعظم مشخصي الأمراض المبدعين ، حيث اعتبرت مقالته عن الجدري والحصبة أول عمل محكم في الأمراض المعدية، معبرة عن قدرة فذة في الملاحظة والتحليل التمريضي ، واشتهرت في أوربا ، حيث طبعت أربعين مرة باللغة الإنجليزية منذ سنة 1489 إلى 1866 . م (25)
والرازي يعتبره الدكتور سارتون أول الأطباء الكيماويين إلى جانب ابتكاراته في جراحة العيون والولادة وأمراض النساء ، وكذلك كان أول من صنف مقالات في أمراض النساء (26)وقد رمدت عيناه ذات مرة من كثرة اشتغاله بالتجارب ، فذهب للعلاج عند أحد الأطباء فطلب منه خمسمائة دينار فقال الرازي " هذا هو الكيمياء حقيقة " ثم مال إلى تعلم الكيمياء في سن مبكرة من حياته وألف فيها اثني عشر كتاباً (27).
وآكد شئ لدى الرازي هو ما اجتمع على صحته الأطباء ، وشهد له القياس ، وعضدته التجربة ، ولم يكن يعبأ إلا بالعلم الذي أثبتت التجربة جدواه ، ومن سمات منهجه أنه كان يفضل النتائج العلمية القائمة على أساس تجارب القرون لا تجارب الفرد الواحد .
وإذا كـان الطب التجريبي يحتل في العصـر الحديث أرقى مكانة ، فإن للرازي فضل السبق إليه ، حيث أجرى تجاربه على الحيوان "القرد" ، قبل إعطاء الدواء للإنسان ،لأن هناك حرجاً دينياً يمنع من تشريح الإنسان بغرض التجربة (28).
ومن الأطباء المسلمين المشهورين ابن النفيس " ت : 696 هـ " المكتشف الحقيقي للدورة الدموية الصغرى ، ونسبها الغرب زوراً إلى هارفي الإنجليزي ، وقلدهم في هذا الزور بعض الباحثين الشرقيين المسلمين (29)تقول زيغريد هونكه : إن أول من نفذ ببصره إلى أخطاء جالينوس ونقدها ثم جاء بنظرية الدورة الدموية لم يكن سارفيتوس الأسباني ولا هارفي الإنجليزي بل كان رجلاً عربياً أصيلاً من القرن الثالث عشر الميلادي وهو ابن النفيس الذي وصل إلى هذا الاكتشاف العظيم في تاريخ الإنسانية وتاريخ الطب قبل هارفي بأربع مائة عام وقبل سارفيتوس بثلاثمائة عام"(30).
ولقد كثر اشتغال النصارى بالطب في ظل الدولة الإسلامية ونبغوا فيه ، ويرجع العقاد ذلك إلى تحريم الكنيسة الغربية آنذاك للاشتغال بالطب ، لأن المرض عقاب من الله تعالى ، لا ينبغي للإنسان أن يصرفه عمن استحقه ، وظل الطب محجوراً عليه إلى ما بعد انقضاء العهد المسمى بعهد الإيمان عند استهلال القرن الثاني عشر للميلاد وهو إبان الحضارة الأندلسية (31).
وكانت المستشفيـات منتشرة في أنحـاء الدولة الإسلامية بعد القرن الثالث للهجرة ، واتبعت طريقة عملية للتحقق من وجود الهواء وصلاح الموقع لبنائها تغني عن الأساليب العلمية التي اتبعت في العصر الحاضر بعد كشف الجراثيم ، حيث تتفق معها في أصلها التجريبي (32)فكانوا كما يقول العقاد : يعلقون اللحوم في مواطن مختلفة من المدينة في وقت واحد ، فأيها أسرع إليه العفن اجتنبوا مكانه ، واختاروا المكان الذي تتأخر فيه عوارض الفساد (33).
ومثل هذا الابتكار كما يقول الدكتور مصطفى حلمي : يقع في صميم المنهج التجريبي وينبغي النظر إليه لا من زاوية عصرنا ، ولكن من زاوية النظريات السائدة آنذاك ولا شك أن هذا العمل يعد عملاً رائداً في حقل الاكتشافات العلمية (34).
وكانت المستشفيات أيضاً مراكز علمية لتدريس الأطباء نظرياً وعملياً يقول : الدكتور مصطفى السباعي : " وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضاً ، ففي كل مستشفى إيوان كبير للمحاضرات ، ويجلس فيه كبير الأطباء ، ومعه الأطباء والطـلاب ، وبجانبهم الآلات والكتب ، فيقعد التلاميذ بين يدي معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى ، وينتهوا من علاجهم ، ثم تجري المباحث الطبية ، والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه ، والقراءة في الكتب الطبية ، وكثيراً ما كان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه داخل المستشفى ليقوم بإجراء الدروس العملية لطلابه على المرضى ، كما يقع اليوم في المستشفيات الملحقة بكليات الطب " (35).
ويستخلص غوستاف لوبون من أبحاثه في هذا المجال أن علم الجراحة مدين للعرب بكثير من مبتكراته الأساسية ، وظلت كتبهم فيه مرجعاً للدراسة في كليات الطب إلى وقت قريب جداً ، فكانوا يعرفون في القرن الحادي عشر من الميلاد معالجة غشاوة العين بخفض العدسة أو إخراجها ، وكانوا يعرفون عملية تفتيت الحصاة التي وصفها أبو القاسم بوضوح ، وكانوا يعـرفون صب الماء البارد لقطع النزف ، وكانوا يعرفون الكاويات والفتائل ، وكانوا يعرفون المُرقد ، أي المخدر الذي ظُنّ أنه من مبتكرات العصر الحاضر ، وذلك باستعمال الزؤان لتنويم المريض قبل العمليات المؤلمة ، حتى يفقد وعيه وحواسه (36)، وقد نسب هذا الكشف العلمي إلى طبيب إيطالي أولاً وإلى بعض الإسكندريين ثانياً ، في حين أن الحقيقة تقول ، والتاريخ يشهد : أن فن استعمال الإسفنجة المخدرة فن عربي بحت لم يعرف من قبلهم(37).
وإذا انتقلنا إلى مجالات أخرى غير الطب وعلماء آخرين فإننا نجد الأمر أيضاً لا يختلف فالتجربة والملاحظة لهما الوزن الكبير ، والقيمة الأساسية في البحث العلمي يقول جابر بن حيان (38)وهو يتحدث عن منهجه : " قد عملته بيدي وبعقلي من قبل ، وبحثت عنه حتى صح ، وامتحنته فما كذب " (39).
ويؤكد جابر أهمية التجربة أيضاً في قوله : " من كان درباً ، كان عالماً حقاً ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً ، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع : أن الصانع الدرب يحذق ، وغير الدرب يعطل" (40)والمراد بالدربة عند جابر التجربة .
ويزيدنا جابر تأكيداً باعتماده على التجربة والملاحظة في قوله : " ويجب أن نعلم أنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه ، بعد أن امتحنـاه وجربنـاه ، فما صـح عندنـا بالملاحظـة الحسيـة أوردنـاه وما بطل نفيناه وما استخرجناه نحن أيضاً وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم "(41). ونضيف أيضاً أن من السباقين في استخدام التجربة ابن سينا ، حيث يشير في كتاب الشفاء إلى ملاحظة شخصية تعود إلى أيام صباه تبحث في أصل الحجارة (42)، ويشير فخر الدين الرازي إلى ملاحظة شخصية لاحظها ابن سينا تتعلق بتكون الغيوم الممطرة (43)
ويروى عن المأمون أنه كان يجري تجربة بسيطة لجلسائه ليبرهن لهم أن الهواء مادة ، أي جسم طبيعي (44).
نستطيع الآن بعد الأمثلة الكثيرة التي سقناها أن نؤكد أن نسبة المنهج التجريبي إلى الغرب نسبة زائفة ، لأنها تغفل دور المسلمين في هذا المنهج . وليس معنى هذا أن نغض من دور علماء الغرب في النهضة الأوربية الحديثة فهذا الدور لا يمكن إنكاره لأن الغرب تقدم كثيراً في تطبيق هذا المنهج ، ولكن أريد أن أقول : إن الحضارات متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض ، فكل حضارة تنهض لا بد أن تكون لها قواعد راسخة قامت عليها ، وقواعد الحضارة الأوربية المزدهرة اليوم إنما هي الحضارة الإسلامية ، فلم ينهض الغرب هكذا طفرة ، وإنما بعد أن نقلت إليه علوم العرب والمسلمين ، فالمسلمون كما يقول الدكتور مصطفى حلمي : " وجهوا البحوث إلى الوجهة الصحيحة من حيث إقامتها على التجارب والاختبارات واستقراء النظريات وما إلى ذلك من خطوات كانت تشكل في مجموعها تحولاً رئيساً في تاريخ العلم من مجرد النظر –كالمنطق الصوري الأرسططاليسي –إلى التجارب العلمية المؤدية إلى التقدم الحقيقي للعلوم(45)
وذلك لأن : " وجود ابن الهيثم وجابر وأمثالهما كان لازماً وممهداً لظهور جاليلو ونيوتن ، فلو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتن أن يبدأ من حيث بدأ ابن الهيثم ، ولو لم يظهر جابر بن حيّان لبدأ جاليلو من حيث بدأ جابر . وعلى هذا يمكن القول : لولا جهود المسلمين والعرب ، لبدأت النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر من النقطة التي بدأ منها العرب نهضتهم العلمية في القرن الثامن للميلاد " (46).
لقـد وضـع المسلمـون أسس البحث العـلمي بالمعنى الحديث وقـد تميّـزوا بالمـلاحظـة والتجـربة والاختبـار …وابتدعـوا طـرقاً …واخترعـوا آلات وأجهزة .(47).
ونستطيع الآن القول:
إن المسلمـين لم يقصـروا في العصـور المتأخرة في خدمة العلم والإنسانية
لقصورٍ في إسلامهم ، وإنما السبب الحقيقي والجوهري هو أنهم نسوا إسلامهم ، وتخلّوا عن المبادئ الأساسية فيه والتي تدعو إلى العمل والنظر والبحث والتأمل ، هذه المبادئ التي جعلت الإنسان سيّداً للكون ، وجعلت الكون مسخراً للإنسان ، تخلّى المسلمون عن هذه الرسالة التي شرّفهم الله عز وجل بها ، وانهمكوا في خلافاتهم ونزاعاتهم فسلّط الله عز وجل عليهم أعداءهم ، وهذه سنة إلهية تنطبق على كل الأمم التي تتخلّى عن رسالتها التي أكرمها الله جل شأنه بها من بين الأمم .
أضف إلى ذلك الحملات الاستعمارية الهمجية المتتالية التي تقضي على صحوة المسلمين في كل مرة . فالغـزو التتاري الذي دمر بغداد وكثيراً من البلدان الإسلامية ، وألقى المكتبات في دجلة ، وأحرق المدن ، وأباد المسلمين ، وأتى على كل مظاهر المدنية ، ساهم كثيراً في تأخر المسلمين وضياع كثير من تراثهم الذي لو كان اليوم موجوداً لكان للمسلمين وضع آخر في العالم اليوم . والغزو الصليبي الذي لا يزال مستمراً إلى اليوم بأشكال مختلفة ، وصور متنوعة ، ليحول بين المسلمين وأسباب نهضتهم حتى لا يعودوا مرة أخرى لقيادة العالم والإنسانية من جديد .
والخلاصة :أن النهضة الأوربية الحديثة إنما قامت على جهود جبارة لعلماء المسلمين نقلت إلى الغرب ، وقد أكد ذلك الدكتور فؤاد سزكين ، إذ يشير إلى أنه كانت في القرن الرابع عشر مدارس للترجمة في طرابزون على الساحل الشرقي للبحر الأسود وفي استنبول أيضاً ، كان أصحاب هذه المدارس يترجمون أحدث الكتب المؤلفة في العالم الإسلامي إلى اليونانية بدافع من غيرتهم الدينية لمساعدة إخوانهـم في أوربا ، لذلك فهو يقول : " وكلما أمعن الإنسان النظر في دراسة المصادر الأصلية للنهضة الأوربية ازداد تصوره أن هذه النهضة المزعومة أشبه ما تكون بالولد نُسب إلى غير أبيه الحقيقي "(48)
مع محبتي
عبدالرحيم الشريف
[1] : المنطق الحديث ومناهج البحث د. محمود قاسم ص 38 وأضيف : واستخدمه أبو بكر الرازي ، وجابر بن حيان ، وابن الهيثم والبيروني قبل جاليلو وتورشيلي وغيرهم . كما سنشير .
[2] : السابق ص 38 .
[3] : انظر مناهج البحث في العلوم الإسلامية د . مصطفى حلمي ص 57 .
[4] : انظر لزيغريد هونكه " شمس الله تسطع على الغرب " ص 401 – ترجمة فاروق بيضون – دار الجيل – بيروت – الطبعة الثامنة .
[5] انظر زيغريد هونكه ص 334 .
[6] : مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي فرانتز روزنتال ص 15 .
[7] أبو بكر الرازي محمد بن زكريا الرازي أبو بكر فيلسوف من الأئمة في صناعة الطب من أهل الري ولد وتعلم بها سنة 251 هـ وسافر إلى بغداد بعد سن الثلاثين يسميه كتاب اللاتينية " رازيس " أولع بالموسيقى والغناء ونظم الشعر ، واشتغل بالسيمياء والكيمياء ثم عكف عن الطب والفلسفة في كبره فنبغ واشتهر عمي في آخر عمره ومات ببغداد سنة 311 هـ وفي سنة وفاته خلاف له تصانيف سمى ابن أبي أصيبعة منها 232 كتاباً ورسالة منها : " الحاوي " في الطب وهو من أجل كتبه ترجم إلى اللاتينية وطبع فيها وله كتب كثيرة . انظر الأعلام للزركلي ص 364 / مجلد 3 جزء 6 وانظر الفهرست لابن النديم ص 415 .
[8] : السابق ص 176 .
[9] محمد بن الحسن ابن الهيثم مهندس من أهل البصرة ولد عام 354 هـ سكن في مصر واستوطن فيها على باب الجامع الأزهر فانقطع للتصنيف والإفادة إلى أن توفي عام 430 هـ له تصانيف في الهندسة وترجمت بعض مصنفاته إلى الألمانية مثل كيفية الإظلال والمرايا المحرقة . انظر الأعلام ص 83 ، 84 / مجلد 3 جزء 6 .
[10] : مصطفى نظيف الحسن ابن الهيثم ص 33 .
[11] : السابق الصفحة نفسها .
[12] : السابق ص 37 .
[13] : مناهج البحث في العلوم الإسلامية مصطفى حلمي ص 76 .
[14] : السابق نفسه .
[15] : السابق ص 77 .
[16] : تاريخ العلوم عند العرب – قدري طوقان ص 188 .
[17] : مناهج البحث في العلوم الإسلامية د . مصطفى حلمي ص 79 .
[18] : مصطفى حلمي مناهج البحث في العلوم الإسلامية ص 80 .
[19] : قدري طوقان تاريخ العلوم عند العرب ص 350 وما بعدها .
[20]: السابق ص 195 .
[21] : مصطفى حلمي مناهج البحث في العلوم الإسلامية ص 80 .
[22] محمد ابن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي فيلسوف رياضي مؤرخ من أهل خوارزم ولد سنة 362هـ أقام في الهند عدد من السنين ومات في بلده سنة 440 هـ صنف كتباً كثيرة متقنة منها : " الآثار الباقية عن القرون الخالية " ترجم إلى الإنجليزية والاستيعاب في صنعة الإسطرلاب والجماهر في معرفة الجواهر وتاريخ الأمم الشرقية والقانون المسعودي وتاريخ الهند وهذا الأخير ترجم إلى الإنجليزية في مجلدين .
[23] : العقاد أثر العرب في الحضارة الأوربية ص 40 الهيئة المصرية العامة للكتاب .
[24] انظر زيغريد هونكه ص 153 .
[25] : انظر لزيغريد هونكه " شمس الله تسطع على الغرب " ص 316 و 271 ومناهج البحث للدكتور مصطفى حلمي ص 81 .
[26] : جلال مظهر – علوم المسلمين أساس التقدم العلمي الحديث ص 32 – الهيئة العامة للتأليف والنشر 1970
[27] : البحث العلمي منهجاً وتطبيقاً – عبد اللطيف العبد ص 105 – وراجع ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص 419 – نزار رضا 1965 – بيروت
[28] : البحث العلمي – العبد ص 107 .
[29] : انظر مدخل إلى علم المنهج د : حامد طاهر ص 55 .
[30] انظر زيغريد هونكه ص 262 .
[31] انظر شمس الله تسطع على الغرب ص 273 ، 274 ، 275 وللعقاد أثر العرب ص 35 وراجع أيضاً لأبي الفتوح التوانسي من أعلام الطب العربي ص 43 .
[32] : مصطفى حلمي مناهج ص 85 .
[33] : العقاد أثر العرب ص 37 .
[34] : مصطفى حلمي : مناهج ص 85 .
[35] : من روائع حضارتنا ص 142 مصطفى السباعي – المكتب الإسلامي – دمشق – بيروت 1977 . م
[36] : غوستاف لوبون – حضارة العرب ص 494 ترجمة عادل زعيتر – طبعة الحلبي بالقاهرة 1956 . م
[37] انظر لزيغريد هونكه شمس الله ص 280 .
[38] جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي أبو موسى فيلسوف كيميائي كان يعرف بالصوفي من أهل الكوفة له تصانيف كثيرة بلغ عددها 232 كتاباً وقيل بلغت خمسمائة ضاع أكثرها وترجم بعض ما بقي منها إلى اللاتينية قال برتلو : لجابر في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق . توفي في طوس سنة 200 هـ . انظر الأعلام ص 90 / جزء 2 مجلد 1 .
[39] : نقلاً عن منهج البحث عند العرب في مجال العلوم الطبيعية والكونية للدكتور جلال محمد عبد الحميد موسى ص 125 – دار الكتاب اللبناني 1972 .
[40] : السابق ص 126 – وانظر أيضاً زكي نجيب محمود – جابر بن حيان ص 58 .
[41] : في تراثنا العلمي والإسلامي – توفيق الطويل ص 18 .
[42] : الشفاء لابن سينا جزء 2 ص 248 وانظر أيضاً المباحث للرازي جزء 2 ص 308 .
[43] : المباحث للرازي ص 173 / 2 .
[44] : الحيوان للجاحظ ص 106 / 4 .
[45] : مناهج . مصطفى حلمي ص 7 1967 .
[46] : تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك المقدمة ص 9 الناشر دار القلم بالقاهرة 1963 م .
[47] : تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه لعبد الحليم منتصر ص 9 5 طبعة دار المعارف 1967 .
[48] : منار الإسلام – العدد الثامن – شعبان 1400 هـ يونيو 1980 م مقال لفؤاد سزكين .
الحرب الناعمة على الإسلام
إعداد سامي بن خالد الحمود
الحمد لله وحده، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته، وصلى الله وسلم على خاتم رسله وأشرف خلقه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بعد سبع حملات صليبية فاشلة في مائتي سنة، يؤسَر قائد الحملة الصليبية السابعة ملك فرنسا لويس التاسع في مصر على يد المماليك، ثم يطلق سراحه من سجن المنصورة بفدية مالية كبيرة، فيقسم الأيمان المغلظة ألا يعود لحرب المسلمين، ثم يطلب من الصليبيين في وصيته قبل وفاته، أن يغيروا خططهم في غزو المسلمين، ويتحولوا من القتال العسكري إلى الغزو الفكري فكانت بداية الحركة الاستشراقية.
ولا يزال التاريخ يعيد نفسه، والسيناريو يتكرر، عندما أعلن بوش الحرب الصليبية على بلاد المسلمين ولقي هزيمة نكراء في العراق وأفغانستان، فارتفعت الأصوات بانتخاب أوباما والتحول من الحرب الغاشمة إلى الحرب الناعمة.. فما حقيقة هذه الحرب، وما موقفنا منها؟
الموضوع في 4 نقاط:
1. استراتيجية الحرب الجديدة:
هناك دراسات كثيرة، من أهمها دراسات مؤسسة راند.. ولماذا هذه المؤسسة بالذات؟
راند مؤسسة فكرية بحثية تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وهي أهم مؤسسة فكرية مؤثرة على صناعة القرار في الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط.
ومن أبرز ما أصدرته مؤسسة راند تقريران خطيران:
سأذكر لكم موجزاً للتقريرين، وتأملوا ما يجري الآن حولنا في هذه الفترة.
التقرير الأول: نشر في عام 2004م بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات).
يهدف التقرير إلى تغيير الإسلام من خلال فهم طبيعة المنطقة؛ وتقسيم المسلمين إلى أربع فئات: مسلمين أصوليين أو متشددين، ومسلمين تقليديين، ومسلمين عصرانيين أو حداثيين، ومسلمين علمانيين.
أما فئة الأصوليين فتضم السلفيين السنة، و(الوهّابيين) كما يزعمون، وأتباع تنظيم القاعدة، وهؤلاء يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بالجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن، ويريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، وهم متمكنون في الحجّة واستخدام العلم والوسائل الحديثة. ويوصي التقرير بمحاربتهم والقضاء عليهم، وتشويه فهمهم للإسلام، وإظهار عدم قدرتهم على الإدارة والسياسة ومواكبة الحياة، وتشجيع الصحفيين لنشر قضايا الفساد والخيانة ضدهم.
أما التقليديون وهم زوار الأضرحة وأرباب التصوف، فلهم رؤى معتدلة في العموم، وبعضهم قريب من الأصوليين، وهؤلاء يجب تأييدهم ضد الأصوليين، وإشعال الاختلاف والفتنة بين الطائفتين.
وأما الحداثيون أو العصرانيون الذين يريدون مسخ الإسلام ليتعايش مع العصر. ومعهم العلمانيون الذين يرون فصل الدين الحياة، فهم الأقرب إلى الغرب في المبادئ والسياسات، لكنهم في موقف ضعيف، فيجب مساندتهم، ونشر أعمالهم في الإعلام والمناهج، وتوفير الدعم الشعبي لهم، وتطوير منظماتهم المدنية.
ويتحدث التقرير عن قضايا أخرى من منظور تغريبي مشوه، مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان، وتعدد الزوجات، والقوانين الجنائية في الإسلام كقطع الأيدي ورجم الزناة، والأقليات والأديان الأخرى، ولباس المرأة، وضرب الزوجات، واختتم التقرير بالتشكيك في جمع القرآن ونقله.
التقرير الثاني: نشر في عام 2007م بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) ويقع في 217 صفحة، واستغرق إعداده ثلاث سنوات من البحث، ويدعو إلى أمركة مفهوم الاعتدال، وتفكيك وتفرقة الصف الإسلامي، ومما ذكر في التقرير:
- دعم المعتدلين وفق الرؤية الأميركية لمواجهة الإسلاميين.
- التحذير من دور المسجد في المعارضة السياسية، وعدم تمكن التيار العلماني من استخدام هذا المنبر.
- مقارنة بين الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي والمرحلة الحالية، وأن الخصم في هذه المرحلة هو الإسلام.
- تحديد ملامح الاعتدال بالمفهوم الأميركي، ويضع التقرير 11سؤالاً سخيفاً لتحديد المعتدل، تدور حول: القبول بالديمقراطية، والقبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين، أي رفض الشريعة، واحترام حقوق النساء والأقليات الدينية، ونبذ الإرهاب والعنف.ويدعو لاستخراج النصوص الشرعية من التراث الإسلامي لدعم هذا الفكر.
- استخدام الدعاة الجدد (أو الدعاة من الشباب كما أسماهم التقرير) والبرامج التليفزيونية والشخصيات ذات القبول الإعلامي والجماهيري لدعم هذا التيار.
-الدعم المالي للأفراد والمؤسسات المتعاونين مع الاستراتيجية
- خطورة انتشار الإسلام والتيار السلفي في أوربا.
- الاستفادة من التجربة الإندونيسية في إشاعة الليبرالية خلافاً لباكستان وماليزيا الأصولية.
- في الشرق الأوسط يشكو التقرير من عدم وجود حركة ليبرالية علمانية واسعة القبول، وأنه يجب دعم العلمانيين التحرريين من المسلمين ويقدم أمثلة بالاسم للشخصيات التي يمكن التعامل معها.
- تشجيع ظهور المعتدلين في الإعلام، وفي الاجتماعات مع الشخصيات العليا في الدول، والقرب من صناع القرار.
- ضرب التيار الإسلامي بصراع فكري يقوم به فريق من داخل المجتمع المسلم من العلمانيين والحداثيين، والتيار التقليدي, ومحاولة ضم الدعاة الجدد والكتاب والإعلاميين وجمعيات المرأة لهذا الفريق ضد الإسلام السلفي الجهادي.
والخلاصة: أن ما تدعو إليه التقارير، هو معركة فكرية ضد الإسلام تنفذ بيد أناس من أبنائه، لهدم الإسلام باسم الإسلام، وتعطيل الشرعية باسم ضوابط الشريعة.
وصدق الله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ).
إنهم يعملون ويخططون، ويكيدون ويمكرون، (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).
ورغم الخطر نقول:تضمنت التقارير اعترافاً بالفشل وتناقضاً وتخبطاً، يدل على أن أمريكا فَشَلت ولا زالت تفشَل بحمد الله في حربها على الإسلام، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
2. أوباما والقوة الناعمة:
منذ انتخاب هذا الرجل وعقلاء الأمة يتخوفون من تحول الوجه الأمريكي من القوة الغاشمة إلى القوة الناعمة وفق ما تقتضيه المرحلة القادمة .
إن جرائم بوش وإن كانت فظيعة، لكنها بوضوحها أيقظت الأمة، وفضحت أمريكا الظالمة، وأسقطت أقنعتها الكاذبة.
ثم جاء أوباما ليغسل وجه أمريكا الذي لوثته دماء المسلمين، فخطب الأمة من قاهرة المعز، بخطاب ذكي كتب وألقي ببراعة، لم يستعمل فيه عبارات بوش كالحرب على الإرهاب، بل أشاد في خطابه بحضارة الإسلام واستشهد بعدد من الآيات القرآنية. وبالفعل كسب ود وتصفيق الآلاف من السذج، كالضعيف المظلوم الذي يفرح بأدنى تعاطف وتقدير من الظالم القوي.
نحن لا نريد أن نكون عدائيين ولا متشائمين، لكن لا نريد أن نكون مغفلين.. نحن لسنا بأسرى لنظرية المؤامرة، لكننا لسنا بضحايا لنظرية البلاهة.. والتاريخ يعيد نفسه.
نقل المؤرخ الجبرتي أن نابليون بونبرت الذي احتل مصر وخرب الأزهر الشريف واتخذ من أروقته اسطبلاً لخيوله، عندما دخل مصر جمع العلماء والمشايخ وألقى فيهم خطابًا تاريخيًا استفتحه بالبسملة, استشهد فيه بالآيات القرآنية قائلاً: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه.. أيها المشايخ والأئمة، قولوا لأمّتكم إن الفرنساوية هم أيضًا (مسلمين)، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام).
وعلق عليه الجبرتي بقوله: "تمويهات على العقول بفاسد التخيلات التي تنادي على بطلانها بديهة العقل فضلا عن النظر"، ثم تهكم الجبرتي بقوله "إن الفرنساوية هم أيضا مسلمين" فقال: قوله مسلمين صوابه الرفع، ونكتة العدول إلى النصب إشارة إلى أن إسلامهم نصب.
وأبى الشعب المصري الأبي أن يسكت عن هذا المحتل، وجاهده بكل ما يملك من قوة حتى طرده وجيشه.
إن من السذاجة أن تقرأ السياسة الأمريكية من خلال شخصية أوباما، فهو مرشح حزب لن يخرج عن مصالحه، بل هو رئيس دولة لن يخرج عن إطارها السياسي المؤسسي الذي له أهدافه ومراكزه ومخططوه.
أمريكا تحاول بناء بعض ما أفسده بوش والمحافظون، الذين لم يجنوا سوى حذاءٍ عراقيٍ طائر أخطأ بوش فأصاب العلم الأمريكي، مع تدهور في السياسة، وانهيار في الاقتصاد.
أوباما جاء ليكمل ما بدأه بوش، في صفحة جديدة ضمن كتاب المشروع الأمريكي.
لا اختلاف في الاستراتيجية، وإنما الذي اختلف هو التكتيك والخُطّة، فالقطار يسير إلى نقطة واحدة على سكة واحدة، لكن السائق الأول ثور أهوج، والثاني ثعلب ناعم.كما قيل:
برز الثعلب يوما....في ثياب الواعظينا
فمشى في الأرض يهدي ...ويسب الماكرينا
مخطىء من ظن يوما.....أن للثعلب دينا
ما الجديد في خطاب أوباما ؟
واقعيًا لا جديد، حتى الكلام المثقف حول الإسلام المتسامح. كان يقوله بوش، بل كان يحضر حفل إفطار الصائمين في رمضان، في الوقت الذي تعيث جيوشه فساداً في أرض الإسلام.
لا فائدة في استفتاح الكافر خطابه بالسّلام ليدغدغ المشاعر، فالسلام ليس مجرد تحية تُلقى، بل هو حياةٌ وأمن للبشر .
يقول: إن أمريكا لن تكون في حرب مع الإسلام، وصدق، فأمريكا لا تحارب الإسلام الأمريكي بل تحارب الإسلام الحقيقي.. لأنها تريد إسلاماً جديداً على الطريقة الأمريكية.
ثم يتحدث عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وجيوش بلاده خلّفت حتى الآن، أكثر من مليونٍ ونصف شهيدٍ عراقيّ، وأكثر من مليوني امرأةٍ أرملة، وأكثر من سبعة ملايين طفلٍ يتيم، ومئات الآلاف من الأسرى، مع تدمير الحياة ونهب الأموال، وتنصيب الموالين للاحتلال على رقاب الشعب العراقيّ.
يتحدث عن دعم الاقتصاد (لا أدري اقتصادنا أو اقتصادهم)، وحقوق المرأة وتعليمها، مع أن اقتصادنا وتعليمنا بخير ما كفّت أميركا شرّها وأذاها عنا.
يتحدث عن فلسطين، وهو الذي تعهد بدعم الاحتلال اليهودي.. ووقف متخشعاً أمام حائط المبكى اليهودي، وانحاز مع اليهود في محرقة غزة وأباح استخدام الأسلحة المحرمة ضد المدنيين، ثم يتباكى على محرقة اليهود، ويهول في خطابه من صواريخُ حماس البدائية، في حين لم يتحرك له قلب ولا إنسانية في حق شهداء محرقة غزة ونسائهم وأطفالهم الذين قتلوا بأسلحة يهودية وأمريكية.
وأما قضية القدس، فإذا كان (النتن ياهو) يتبجح هذا الأسبوع بيهودية إسرائيل والقدس، فقد سبقه أوباما عندما صرح في خطاب له أمام منظمة إيباك اليهود أن القدس ستبقى عاصمة إسرائيل ولن تنقسم.
ثم لا جديد في دعوته لدولة فلسطينية لا تصل إلى 20% من أرض فلسطين، ولا تعرف مواصفاتها ولا سيادتها.. وإنما مثله كمثل زعيم عصابة سرق من أحد المساكين بيته وماله وحماره، فأخذَ المسكينُ يصرخُ ويبكي، وشكى حاله إلى زعيم العصابة، فوعده زعيمُ العصابة أن يُعيد له الحمار يومًا ما ، بشرط أنْ ينسى الدارَ والمالَ، فخرج المسكينُ يهتف: يحيا العدل، يحيا العدل.
والخوف كل الخوف أن تكون أماني الدولة الموهومة ذريعة لمطالبة العرب بتقديم تنازلات أكبر، في الوقت التي ترفع فيه إسرائيل سقف مطالبها في لعبة قذرة مكشوفة.
إن اليهود محتلون ولا حق لهم في فلسطين.. وإن المقاومة ليست عنفاً ولا إرهاباً، بل هي شرف للشعوب.
لقد كنت أقول فيما مضى: العبرة بالأفعال كما ذكر أوباما في خطابه، وأنا الآن أستغفر الله وأقول: بل حتى الأقوال التي ذكرها أبو حسين ليست كلها مقبولة.
يا أبا حسين.. المسلمون حقاً لا يرضون ببقاء جيوشك في بلادهم، ولا يعترفون بحق إسرائيل، ولا يتبرؤون من المقاومةَ الشريفة، ولا يقبلون بفهمك للإسلام، ولا بتعريفاتك للإرهاب والاعتدال.
يا أبا حسين.. لا تظن أن المجاملة أو التصفيق الحاد في جامعة القاهرة يعبر عن رأي الأمة وشرفائها.
ونقول بكل عزة، يا أبا حسين: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ونحن أكثر شعوب الأرض حبًّا للسلام، أعني السلام العادل، ونعادي من عادانا، ونسالم من سالمنا، وليس بيننا وبين شعوب أمريكا أو أوروبا عداء متى ما أوفوا بالعهد، بل مشكلتنا مع دولكم وحكوماتكم الظالمة، كما قال ربنا تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فلهذا نقول: قديمة يا أبا حسين، قالها غيرك من رؤساء أمريكا.
يا أبا حسين.. والله العظيم إن وصولك إلى المكتب البيضاوي وكرسي أكبر دولة في العالم، لهو أمر حقير أمام الإسلام العظيم الذي خسرته، ولو عدت إلى دين أجدادك المسلمين البسطاء في كينيا لكان خيراً لك.
يا أبا حسين.. خذها رسالة ليست منا ولا من سادتنا، بل من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي استشهدت بإسرائه وصلاته بالأنبياء زوراً وتجاهلاً لدينك المحرف، إن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول لك: (أسْلِمْ تَسْلَمْ، أسلمْ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين).
لقد تعجبت كثيراً من أوباما حينما بدأ بالفعل بعد القول مباشرة في نفس المكان، فما إن أنهى خطبته العصماء حتى عقد جلسة تطبيعية على طاولة واحدة، مع سبعة من الصحفيين المسلمين المختارين سلفاً، ليتفاجأ السبعة أن ثامنهم صحفي إسرائيلي.. سبحان الله بعدد أهل الكهف (سبعة وثامنهم ..) صحفي يهودي من إسرائيل، في عمل غير بريء وغير مقبول، هل إسرائيل من الدول العربية أو الإسلامية التي يخاطبها أوباما؟ اعترض الصحفي المصري فهمي هويدي وانسحب من الحوار بعزة وكرامة، فيما بقي الآخرون وللأسف ومنهم رئيس تحرير صحيفة الوطن، وليس هذا بغريب على هذه الصحيفة وتوجهها، يكفي أن سمو النائب الثاني الأمير نايف حفظه الله قال قبل يومين: "إن توجه (الوطن) سيئ وينشرون أخبارًا غير صحيحة ولا أعرف لماذا، وأرجو أن تغير الجريدة هذا التوجه، أما أن تستكتب أصحاب الأهواء الذين يكتبون ضد العقيدة فهو أمر لا يليق بالجريدة ولا بأي مواطن ولا حتى بكاتب أو محرر". اهـ
3. ما الواجب على الأمة؟:
كيف تقف الأمة أمام هذا التيار الناعم، والغزو التغريبي الغاشم؟ هذه نداءات عاجلة:
النداء الأول: إلى قادة الأمة وحكامها.. يا قادة الأمة: إن كان بقي فيكم بقية من دين، وحرارة من يقين، فاتقوا الله في الثغر الذي ائتمنكم الله عليه، واتقوا الله يوم أن تعرضون عليه، والدنيا متاع قليل، وظل زائل، وكم من ملك رسمت له في الأرض علامات، فلما علا مات.
إن المسؤولية أمام الله عظيمة جداً .
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في أحداث سنة أربع وثمانين، قال: وفيها توفي عبد الله بن عبد العزيز العمري، وكان عابداً زاهداً، وعظ الرشيد يوماً فأطنب وأطيب، قال له وهو واقف على الصفا: أتنظركم حولها من الناس؟ -يعني: الكعبة- فقال هارون: كثير. فقال الشيخ: كل منهم يسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه، وأنت تسأل عنهم كلِهم. فبكى الرشيد بكاءً كثيراً، وجعلوا يأتونه بمنديل بعد منديل ينشف به دموعه.
إن التاريخ لا يرحم، وإن الشعوب المسلمة اليوم أكثر وعياً، ولا يجمعها إلا الدين، وما أزمة غزة وأزمة رسوم الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم عنا ببعيد.
إن الشعوب في الغالب لا تريدها علمانية ولا تغريبية، ولا شرقية ولا غربية، بل تريدها إسلامية، ووالله الذي لا إله غيره لو اجتمعت كلمة الحكام والشعوب على الدين واعتصموا بحبل الله المتين، لقويت شوكتهم، وعزت دولتهم، ومكن الله لهم في الأرض. (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).
النداء الثاني: إلى علماء الأمة الإسلامية.. ففي الأزمات يكثر السؤال والقيل والقال, وتتلفت الأمة إلى العلماء, لتسمع الكلمة الفصل, والكلمة هناك غالية قد تكلف الروح، لكنها ضرورة خصوصا إذا شوش التوحيد, ونطق الروبيضة في أمر العامة.
إن العالم قائد، فإن لم يقد انقاد, فإن انقاد أقبلت الفتنة والفساد.. العالم حارس فإذا نام الحارس دخل السراق.. العالم راعي, فإذا غفل الراعي هجم الذئب.. العالم ربان, فإذا حاد وماد غرقت السفينة.
ووالله ما انتهكت الشريعة، وهدم الدين، وغربت المجتمعات، إلا لما سكت العلماء الناصحون، وضعفت كلمتهم، وتأول بعضهم، وفسد دعيّهم، وآثر السلامة بدعوى الحكمة والفتنة (ألا في الفتنة سقطوا).
واجب العلماء تربية النّاس على التوحيد الخالص، وعقيدةِ الولاء والبراء، وصدقِ الديانة، وإدراكِ حقيقة الصّراع، واستبانةِ سبيل المُجرمين والتحذير منهم، والصدعِ بالحق بحكمة، والحذرِ من الفتنة بمُسايرة الواقع وأهواء الناس.
قال الشاطبي رحمه الله: (المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا) اهـ.
وإن تعجب من شيخ يفتي في أمر عام، أو يرمي بنصف كلام، لينفخ فيه أهل التغريب ويركبونه على ما يشتهون؛ فالعجب ممن اعتادوا الفتاوى الشاذة الموطئة لتغريب المجتمع وتحرير المرأة المسلمة، حتى أصبحوا مطية للمنافقين والمفسدين، وكانوا كمن يبيع العنب للخمارين. فيا هؤلاء:
قُلْ لمن دبّجوا الفتاوى: رويداً --- رُبّ فتوى تضجّ منها السماءُ
النداء الثالث: إلى دعاة الإسلام.. يا حملة الرسالة، يا سفراء محمد صلى الله عليه وسلم .. هل سألتم أنفسكم: إلى ماذا تدعون؟ وعلى أي منهج؟.
هل نحتاج إلى مزايدة على منهج الكتاب والسنة وقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض). أخرجه مالك مرسلا والحاكم مسندا وصححه وصححه الألباني وغيره. وفي الباب عشرات الأحاديث.
نحن لا نشك في وسطية الأمة، (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً).. لكن السؤال: أين الوسطية؟ ومن الذي يحددها ويرسم منهجها؟
إذا كنا نعاني من تيار غالٍ متزمت، ينتهج التكفير والتفجير مركباً، ونعاني بدرجة أقل من تيار متشدد في مواطن السعة، غير مواكب للواقع، يجعل من الحبة قبة، ومن الظني قطعياً، ومن المسألة الخلافية (أعني الخلاف السائغ) أصلاً في الولاء والبراء، وربما حصل من بعض أتباعه جلافة وسوء خلق، ويا ويل من خالف رأي الشيخ فلان وكأنه معصوم .. فنحن نعاني كذلك في الطرف الآخر من تيار جافي متفلت، تمييع للواجبات، وتهرب من الالتزامات، وتسويغ للمحرمات، بدعوى الخلاف، وبدعوى فقه الأولويات، وبدعوى التيسير المعاصر، وهو منهج حادث مضطرب الأصول (إن كان له أصول وقواعد)، أحيل في نقده إلى رسالة ماجستير قيمة بعنوان منهج التيسير المعاصر.
عجباً لداعية يقدم للناس ديناً مرقعاً بالرخص مشوهاً بالحيل، تحت ستار الخلاف أو فتوى شاذة أو زلة للعالم الفلاني، كما يفعله بعض الدعاة الجدد هداهم الله.. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً بيننا هل سيرضى بهذا؟.
نحن نحسن الظن في هؤلاء الإخوة ونحفظ أعراضهم، لكننا من مقتضى المحبة والنصيحة نقول: يا دعاة الإسلام.. قليلاً من الورع.. قليلاً من التواضع واحترام التخصص، والرجوع للعلماء، أعني كل العلماء.. قليلاً من العزة بديننا ومبادئنا.. أو كلما سلك الغرب طريقاً اتبعناه.. أو كلما رفضوا شيئاً من ديننا تنكرناه.. أوكلما رأى الداعية تزمتاً أو تشدداً عند فئة قابله بانفلات وانفراط إلى الطرف الآخر.
إن تربية الشباب والأمة على دين خفيف متفلت بدعوى التيسير لا تبني جيلاً، ولا تؤسس بنياناً.
إن البناء الهزيل لا يقوم، وإن قام فلا يدوم.. وكم من داعية هتفت باسمه الألوف لأنه حرك فيهم ما تهواه النفس، وأحل لهم ما كان حراماً بالأمس، فلما وقع أدنى عارض انقلب عليه محبوه، وأبغضوه وشانؤوه، ذلك أن المنهج هزيل، وبني على التسهيل خلافاً للدليل، (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
نسأل الله أن يوفق دعاة الإسلام في كل مكان وأن يرشدهم ويسددهم.
النداء الرابع: إلى الشعوب، إلى كل مسلم ومسلمة.
الوعيَ الوعي لما يحاك ضدنا، أن نعي ونوعّي غيرنا، عاملين لديننا، متعاونين في أعمالنا ومؤسساتنا الدعوية، مبتعدين عن التفرق قدر الإمكان، مدركين ما يسع الخلاف فيه وما لا يسع. محتكمين إلى الكتاب والسنة، على منهج رباني، لا أمريكي ولا تغريبي، وإذا اختلفنا فالمرجع العلماء الثقات، وهم موجودون، ولا نقول إنهم معصومون، ولا نتابعهم في زلة أو شذوذ، مع سلامة الصدر واللسان، واحترام المنزلة.
4. هل نحن متفائلون؟:
لا، بل نحن بإذن الله تعالى واثقون أن المستقبل لهذا الدين، أما النصوص الشرعية فكثيرة جداً، وأما الشواهد الواقعية فقد نقلت لكم من خلال تقارير الغرب تخوفهم من انتشار الإسلام، وأضيف شاهداً مهماً، وهو فيلم وثائقي لإحدى المنظمات الكندية المعادية للإسلام اسمه (ذي وورد إز شانجينق) العالم يتغير، وهو موجود في مواقع الفيديو على النت، ذكروا فيه معدلات الإنجاب وهجرة المسلمين إلى أوربا، وانتشار الإسلام في فرنسا، وأن عدد المساجد في بعض الأماكن فاق الكنائس كما في جنوب فرنسا، وأنه بحلول عام 2027م سيكون المسلمون خمس فرنسا، وبعد 39 سنة ستكون فرنسا مسلمة، ثم انتقل الفيلم بالأرقام إلى بريطانيا وهولندا وروسيا وبلجيكا وألمانيا التي حذرت حكومتها من تدني معدلات النمو السكاني وأن ألمانيا ستكون مسلمة بحلول عام 2050م، وذكر التقرير أن المسلمين في أوربا وهم 52 مليون مسلم قادرون على تحويلها كلها إلى قارة مسلمة. ثم عاد التقرير إلى مصدره كندا، حيث الإسلام الأسرع نمواً، ثم أمريكا التي بلغ المسلمون فيها التسعة مليون، ويختم الفيلم بالدعوة إلى الاستيقاظ للتبشير برسالة المسيح، والحذر من المد الإسلامي.
وأقول: هذه التقارير والأرقام يجب أن لا تخدرنا أو تدفعنا للتواكل، بل يجب كذلك أن تزرع فينا الأمل، وتدفعنا إلى الدعوة والعمل.. ثم يجب أن لا نغفل عن الجانب الأهم وهو الكيف والمنهج قبل الكم والعدد، لقد عرف الغرب أنه لا يمكن القضاء على الإسلام بالقطع والاجتثاث، بل بالمسخ والتغريب، ليصبح ديناً باهتاً، مطية لكل راكب، لا يهش ولا ينش، باسم السماحة والاعتدال.
أهله كثير لكنهم غثاء كغثاء السيل، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم .
والمسؤولية علينا جميعاً في تقديم الصورة الجميلة للإسلام في سماحته ورحمته وحسن أخلاقه كما يريدها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا كما يريدها الغرب ولا أمريكا.
وإذا كنا قد تحدثنا في هذا الموضوع عن رأس الأفعى الناعمة التي تحارب الإسلام، فإني أرجو الله أن نتحدث في مناسبات أخرى عن ذيول هذه الأفعى في بلاد المسلمين، من المنافقين والتغريبيين.. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).. والعاقبة للمتقين.
26/6/1430 هـ
نقلا عن موقع صيد الفوائد
مؤسسة راند للدراسات
الرد على شبه المشككين من خلال قضية تعدد الزوجات
قسم الشريعة الإسلامية – كلية الدراسات الإسلامية و العربية – جامعة الأزهر.
****************************************
قال الله تعالى في كتابه العزيز:(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )[النساء : 3].
يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر آيات قدرته ودلائل رحمته حينا بعد حين..
وإذا كان على المؤمن أن يخضع لحكم ربه ولو لم يدرك علة الحكم، فإن غير المؤمنين يكتشفون في كل حين من أسرار التشريع الإلهي وحكمته، ما يجعل المنصفين منهم ينحنون إجلالا للخالق العظيم..
والمثال الواضح هنا إباحة تعدد الزوجات..
ففي آخر الإحصاءات الرسمية لتعداد السكان بالولايات المتحدة الأمريكية تبين أن عدد الإناث يزيد على عدد الرجال بأكثر من ثمانية ملايين امرأة.. وفى بريطانيا تبلغ الزيادة خمسة ملايين امرأة، وفى ألمانيا نسبة النساء إلى الرجال هي 3: 1.. وفى إحصائية نشرتها مؤخرا جريدة (الميدان)الأسبوعية(1)أكدت الأرقام أنه من بين كل عشر فتيات مصريات في سن الزواج (الذي تأخر من 22 إلى 32 سنة ) تتزوج واحدة فقط، والزوج دائما يكون قد تخطى سن الخامسة والثلاثين وأشرف على الأربعين،حيث ينتظر الخريج ما بين 10 إلى 12 سنة ليحصل على وظيفة ثم يدخر المهر ثم يبحث عن نصفه الآخر.
وقالت الصحيفة: إن العلاقات المحرمة تزيد، وكذلك ظاهرة الزواج العرفي في ظل وجود ملايين من النساء بلا زواج.. وأكدت الباحثتان غادة محمد إبراهيم و داليا كمال عزام في دراستهما(2)تراجع حالات الزواج بين الشباب بنسبة 90 % بسبب الغلاء والبطالة وأزمة المساكن.
وتقول إحصائية رسمية أمريكية: إنه يولد سنويا في مدينة نيويورك طفل غير شرعي من كل ستة أطفال يولدون هناك [ صحيفة الأخبار المصرية عدد 2/ 7 / 1968 ]، ولا شك أن العدد على مستوى الولايات المتحدة يبلغ الملايين من مواليد السفاح سنويا.
وفى كل من العراق وإيران اختل التوازن العددي بين الرجال والنساء بصورة مفزعة بسبب الحرب الضارية التي استمرت بين البلدين ثماني سنوات.. فالنسبة تتراوح بين 1 إلى 5 في بعض المناطق ( رجل لكل خمسة نساء ) و 1 إلى 7 في مناطق أخرى.. والأمر شديد الغرابة والخطورة في جمهورية البوسنة والهرسك التي فرضت عليها حرب عنصرية قذرة طحنت البلاد أربع سنوات كاملة ( من عام 1992 حتى عام 1996 ).. فالنسبة في معظم أنحاء البوسنة والهرسك هي رجل لكل 27 امرأة، نعم 1 إلى 27، ولنا أن نتخيل حجم المأساة الاجتماعية التي يعيشها حاليا هذا البلد المسلم الذي فرضت عليه الشيوعية عشرات السنين، ثم تحرر من الشيوعية المجرمة ليقع بين أنياب صليبية أشد فتكا وإجراما.. فماذا تفعل الفتيات المسلمات اللائي لا يجدن أزواجا من المسلمين ؟ وهل نتركهن ليتزوجن من شباب الصرب الأرثوذكس أو الكروات الكاثوليك، لأن بعض المتنطعين و المتنطعات يأبون تعدد الزوجات ؟ أو أن هؤلاء يفضلون ويفضلن أن تتخذ الفتيات المسلمات عشاقا ( زناة من خلف الستار ) على النمط الغربي المنحل ؟
وفى تحقيق ساخن عن ( انفجار العوانس ) تذكر السيدة تهاني البرتقالي مراسلة الأهرام في الكويت ما حدث منذ سنوات عندما انتشرت ظاهرة إرسال مئات الخطابات من فتيات إلى زوجات كويتيات تطالب كل فتاة في رسالتها المرأة المتزوجة بقبول مشاركة امرأة أخرى لها في زوجها لحل مشكلة العنوسة في المجتمع الكويتي والخليجي بصفة عامة.. ويقول التحقيق الذي نشرته مجلة الأهرام العربي في عددها الأول: إن عدد عوانس الكويت حوالي 40 ألف فتاة.
وهو عدد ليس بالقليل بالمقارنة بتعداد الشعب الكويتي ككل، وهو نصف مليون نسمة ( أي أن نسبة العوانس في الكويت تبلغ 16 % من عدد النساء في الكويت، الذي يزيد على الربع مليون نسمة ).
حرمان المرأة من العواطف أشد خطورة من حرمانها الجنسي.. فمتعة الإشباع الجنسي بدون عواطف ليس لها أي تأثير لدى المرأة.. بينما الكلمة الرقيقة واللمسة الحانية تأثيرها أكثر بكثير، وتجعلها تنعم بالإشباع الجنسي.. هذا ما يؤكده الدكتور سعيد عبد العظيم –أستاذ الأمراض النفسية و العصبية بطب القاهرة –ويضيف أن الحرمان العاطفي عند المرأة هو الطريق السريع إلى الانحراف أو البرود الجنسي، بالإضافة إلى العديد من الأمراض الجسدية والنفسية وغيرها.. (3)
يقول الدكتور محمد هلال الرفاعى أخصائي أمراض النساء والتوليد:
عدم الزواج أو تأخيره يعرض المرأة لأمراض الثدي أكثر من المتزوجة، وكذلك سرطان الرحم والأورام الليفية.. وقد سألت كثيرا من المترددات على العيادة: هل تفضلين عدم الزواج أم الاشتراك مع أخرى في زوج واحد ؟
كانت إجابة الأغلبية الساحقة هي تفضيل الزواج من رجل متزوج بأخرى على العنوسة الكئيبة، بل إن بعضهن فضلت أن تكون حتى زوجة ثالثة أو رابعة على البقاء في أسر العنوسة.
وإذا كان هذا هو رأى العلم، فإن المرأة الطبيبة تكون أقدر على وصف الحال بأصدق مقال.. تقول طبيبة في رسالة بعثت بها إلى الكاتب الكبير أحمد بهجت( إنها قرأت إحصائية تقول: إن هناك ما يقرب من عشرة ملايين سيدة وآنسة بمصر يعشن بمفردهن.. وهن إما مطلقات أو أرامل لم ينجبن أو أنجبن، ثم كبر الأبناء وتزوجوا أو هاجروا، أو فتيات لم يتزوجن مطلقا..
وتقول الطبيبة: هل يستطيع أحد أن يتخيل حجم المأساة التي يواجهها عالم (النساء الوحيدات) ؟ إن نساء هذا العالم لا يستطعن إقامة علاقات متوازنة مع الآخرين، بل يعشن في حالة من التوتر والقلق والرغبة في الانزواء بعيدا عن مصادر العيون و الألسنة والاتهامات المسبقة بمحاولات خطف الأزواج من الصديقات أو القريبات أو الجارات.. وهذا كله يقود إلى مرض الاكتئاب، ورفض الحياة، وعدم القدرة على التكيف مع نسيج المجتمع.
وتدق الطبيبة ناقوس الخطر محذرة مما يواجه هؤلاء النسوة من أمراض نفسية وعضوية مثل الصداع النصفي و ارتفاع ضغط الدم والتهابات المفاصل وقرحة المعدة و الأثنى عشر والقولون العصبي واضطرابات الدورة الشهرية وسقوط الشعر والانحراف الخلقي.. ويضطر الكثير منهن للارتباط برجل متزوج. (4)
و الطريف أن بعض الدول الغربية التي تعانى من المشكلة المزعجة، وهى زيادة عدد النساء فيها على عدد الرجال، اضطرت إلى الإقرار بمبدأ تعدد الزوجات، لأنه الحل الوحيد أمامها لتفادى وقوع انفجار اجتماعي لا قبل لها بمواجهته، أو علاج آثاره المدمرة.حدث هذا في ذات الوقت الذي يرفع فيه بعض المسلمين –إسما فقط –راية الحرب على تعدد الزوجات وشرعيته.
يحكى الدكتور محمد يوسف موسى ما حدث في مؤتمر الشباب العالمي الذي عقد عام 1948، بمدينة ميونخ الألمانية.. فقد وجهت الدعوة إلى الدكتور محمد يوسف وزميل مصري له للمشاركة في حلقة نقاشية داخل المؤتمر كانت مخصصة لبحث مشكلة زيادة عدد النساء أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب العالمية الثانية.. وناقشت الحلقة كل الحلول المطروحة من المشاركين الغربيين، وانتهت إلى رفضها جميعا، لأنها قاصرة عن معالجة واحتواء المشكلة العويصة. وهنا تقدم الدكتور محمد موسى وزميله الآخر بالحل الطبيعي الوحيد، وهو ضرورة إباحة تعدد الزوجات..
في البداية قوبل الرأي الإسلامي بالدهشة و النفور.. ولكن الدراسة المتأنية المنصفة العاقلة انتهت بالباحثين في المؤتمر إلى إقرار الحل الإسلامي للمشكلة، لأنه لا حل آخر سواه.. وكانت النتيجة اعتباره توصية من توصيات المؤتمر الدولي..
وبعد ذلك بعام واحد تناقلت الصحف ووكالات الأنباء مطالبة سكان مدينة ( بون) العاصمة الألمانية الغربية بإدراج نص في الدستور الألماني يسمح بتعدد الزوجات (5)وهكذا يتبين الحق ولو كره العلمانيون.
والأخذ بنظام تعدد الزوجات جنَّب المجتمعات الإسلامي شرورا ومصائب لا حصر لها.. وتكفى مقارنة بسيطة بين المجتمع السعودي مثلا ـالذي تندر فيه الجرائم الخلقية مثل الاغتصاب والدعارة ـوبين المجتمع الأمريكي الذي تكاد نسبة العشيقات فيه تزيد على نسبة الزوجات.. كما تبلغ نسبة الأطفال غير الشرعيين فيه أكثر من 45 % من نسبة المواليد سنويا، وتقول الإحصاءات الرسمية الأمريكية إن عدد الأطفال غير الشرعيين كان 88 ألف مولود سنة 1938، ثم ارتفع إلى 202 ألف عام 1957، ووصل إلى ربع مليون مولود من الزنا عام 1958.. ثم قفز الرقم إلى الملايين من ثمرات الزنا في التسعينيات، والأرقام الحقيقية تكون عادة أضعاف الأرقام الرسمية التي تذكرها الحكومات..
ولكل هذا تساءل الكاتب الشهير الفرنسي أتيين دينيه: هل حظر تعدد الزوجات له فائدة أخلاقية ؟ ويجيب بنفسه: إن هذا الأمر مشكوك فيه.. لأن الدعارة النادرة في أكثر الأقطار الإسلامية سوف تتفشى بآثارها المخربة، وكذلك سوف تنتشر عزوبة النساء بآثارها المفسدة، على غرار البلاد التي تحظر التعدد. (6)
أحبتي في الله: لا صلاح لنا و لا استقرار إلا بالرجوع إلى المنهج الحق، منهج الخالق القدير من هو أعلم بصناعته ، سبحانه أحسن كل شيء خلقه.
ملحق الهوامش
(1)عدد الثلاثاء 6 مايو 1997
(2)أعدت تحت أشراف أساتذة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
(3)مجلة طبيبك الخاص عدد مايو 1997.
(4)صندوق الدنيا – الأهرام – عدد 13 مايو 1997 م.
(5)السيد سابق – فقه السنة – نظام الأسرة – المجلد الثاني – ط مكتبة المسلم – ص 104.
(6)كتاب محمد رسول الله، ترجمة المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق.
يمكن مراسلة المؤلف على الإيميل التالى
Ahmed_gz1@hotmail.com
محمول /0181910904
مركز تحميل الصور الاسلامية
تحدي بين مدرس يهودي وطالب مسلم
su-34
أركان الإسلام
a7dathalnihaya
a7dathalnihaya on livestream.com. Broadcast Live Free








