سورة الزمر للشيخ خالد الجليل

MultiHoster

الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خير خلق الله

بفضل الله تم الانتهاء من الفيلم الوثائقي القصير * قصة زواج * ويعتبر من أقوي الردود على الافتراءات المثارة عن زواج سيدنا محمد من أمنا عائشة

 

فيا أنصار رسول الله فلنتعاون جميعا على الدفاع عن رسول الله و ننشر الفيديو على أوسع نطاق

 

 

 

قناة موقع نصرة رسول الله على اليوتيوب

To say that something is wrong or not, you have to say it is wrong because of what; because it is violating what.

Please check this video to know the truth about Prophet Mohammad & Aisha's Marriage.

 

If you want to read the perfect love story, I recommend that you don't read "Romeo and Juliet" but Read the story of Muhammad and Aisha, in the very words of Aisha herself explaining how beautiful this relationship was between her and Prophet Muhammad (PBUH)

 

            

Sponsored by 
Khalifa Al Hammadi
 
لمن يريد رعاية انتاج الأفلام الوثائقية بموقع نصرة رسول الله  الرجاء مراسلة
 

الخميس، 8 سبتمبر 2011

احترس نبات مفترس !!



نبات الفخ أو الديونيا ( Dionaea)


الدكتور نظمي خليل أبو العطا
كان هذا عنوان محاضرة لأستاذنا الحبيب الذي كنا نتزاحم على محاضراته ونحبه لأنه ظريف يدرس وكأنه يحكي، ويقص علينا القصص العلمي, وييسر العلوم المعقدة بطريقة العالم المتقن الفاهم والوالد الحنون.
        لا أنسى منظره في بسطة جسمه ونضارة وجهه وبسمته الجميلة، وهو يقص علينا قصة النبات الذي يخدع الإنسان ثم يفترسة ويقول : يصدر النبات صوت أنين خافت وحزين وكأن إنساناً في النزع الأخير يئن ويبكي، يجري الإنسان نحو الأنين، يفتش عن صاحب الأنين ولكن لا يجده، مازال صوت الأنين مستمراً، يقترب الإنسان نحو مصدر الصوت بهدوء، إنه قريب منه يئن، يصدر الصوت من تلك الشجرة الضخمة، يقترب منها يضع أذنيه ليسمع الصوت، وفجأة ينغلق عليه الباب وهو بداخله كما يفعل المصعد الكهربائي مع الصاعد المتسرع، يفاجأ الإنسان بالمشهد المرعب والعجيب، يصرخ ولكن لا مجيب، فقد أغلقت عليه الشجرة أبوابها وأنزلت عليه الأحماض منهمرة لتشل حركته، تحتضنه الشجرة حضن الموت إلى أن تطمئن لموته، وتبدأ في تحليل جسمه ثم التغذى عليه، وبعد مدة تفتح الباب وتلقي بهيكله العظمي المفتت خارج ساقها القاتل، هكذا قال لنا أستاذنا الدكتور محمد كامل عبد المجيد طلبه، رئيس قسم الأحياء في كلية المعلمين (تربية عين شمس لاحقاً)  بعدما كتب على السبورة بخطه الجميل : احترس000 نبات مفترس !!، ونحن في ذهول من العنوان العجيب، والوصف الأدبي الرائع لهذا الرجل العبقري .
        وتدور الأيام وأضع صورة لضفدع قد افترسه نبات الديونيا وأكتب أسفل الصورة: عندما يفترس نبات الديونيا(Dionaea)تلك الضفدعة القافزة، فإنه يفرز عليها ثجاجاً من الأنزيمات القاتلة والمحللة، فتبدأ الضفدعة بالاستسلام والموت, ثم التحلل، وتدخل بعض مكوناتها الغذائية إلى خلايا النبات، متحولة إلى مركبات حيوية، وما ينتج عن هذه العملية من مركبات إخراجية يخرجها النبات خارج خلاياه.
        وتسمى هذه العملية بالأيض (Metabolism)المشتمل على عمليتي البناء والهدم، ففي عملية البناء(Anabolismيحول الكائن الحي المواد الغذائية إلى مكونات خلوية حية  وحيوية ضرورية لنمو الكائن الحي واستمرار حياته.
        أما في عملية الهدم (Catabolism)فتتحلل بعض مكونات الخلية الحية، وتخرج نواتج ذلك إلى خارج الخلية، أو تُبعد عن عمليات البناء فيها، أو تُعاد إليها مرة أخرى.
        وتعمل عمليات البناء والهدم في اتزان إلهي عجيب، يحفظ على الكائن الحي حياته والاستمرار فيها، وعندما يختل هذا الاتزان الحيوي، فإن الكائن الحي يسير في طريق المرض أو الموت والفناء.
        وهذه العمليات هي موضوع دراستنا في مساقي الأيض والاتزان حيا (212) وحيا(213) بإذن الله . هذا ماكتبته على الصفحة الأخيرة لكتاب الأيض والاتزان [1]للمرحلة الثانوية في مملكة البحرين [2].
وأظنني في هذا الكلامقد تأثرت بأستاذنا الدكتور محمد كامل عبد المجيد طلبه رحمه الله، وأغرب مافي الأمر أن البعض اتهم هذه الصورة للنبات والضفدع أنها مركبة، إذ كيف يتسنى لهذا النبات الضعيف أن يفترس تلك الضفدعة القوية ؟! ولكن هذه هي الحقيقة فالنبات هنا يفترس الحيوان ليتغذى على لحمه.
        والنباتات المفترسة أو اللاحمه مجموعة من النباتات موطنها الأصلي جزيرة مدغشقر وأواسط آسيا واستراليا، وبعضها يباع في محلات بيع النبات والأزهار في البحرين والخليج العربي، وهي نباتات مستوردة من موطنها الأصلي أتت إلينا مع كل شيء مستورد في حياتنا، وقد أدى انتشار البرامج العلمية في بعض المحطات الفضائية إلى عرض أفلام رائعة عن تلك النباتات، ولكن يعاب على هذه البرامج أن الذين أعدوها يقيمون تصوراتهم لنشأة الحياة بأنها نشأت بالصدفة والعشوائية، لذلك يسندون كل فعل حيوي إلى الكائن الحي، وأنه طور نفسه للحياة الجديدة(1), من هنا رأينا أن نعيد كتابة هذه الموضوعات على أساس من عقيدتنا في الخلْق ونشأة الحياة[3].
        والافتراس كما نعلم هو علاقة حيوية يجهز فيها كائن حي (مفترس) على كائن حي آخر (فريسه) ويتغذى عليه. ونحن تعودنا أن نرى الحيوان يفترس الحيوان أو الإنسان، ولكن ليس من الشائع أن نرى النبات يفترس الانسان ويقتنصه، وتعودنا أن نرى الانسان يقتنص الحيوان، والحيوان يقتنص الحيوان والانسان بآليات مختلفة، ولكن لم نتعود أن نرى النبات يقتنص الحيوان أو الانسان.
        ومن العجيب أن ورقة النبات الرقيقة اللطيفة الجميلة في النبات قد هيأها الله سبحانه وتعالى مرة لتكون زهرة جميلة مختلفة الشكال والألوان[4], ويحولها مرة إلى شوكة قوية تدافع عن النبات، وإلى معلاقTendrilيتعلق به النبات على النبات والجدران، ومرة إلى مخزن لتخزين الغذاء، وأخرى إلى معدة وجهاز قنص يقتنص ويتغذى به النبات على الحيوان، علاوة على وظيفتها المعتادة في القيام بعملية البناء الضوئيPhotosynthess بتثبيت الطاقة الضوئية، وشطر ثاني أكسيد الكربون وتثبيت كربونه، وشطر الماء وتثبيت هيدروجينه وانطلاق أكسجينه، فسبحان الخالق القادر (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) [طه50 ].
        وهذه المجموعة النباتية المفترسة تعيش في بيئات فقيرة في النيتروجين الضروري لبناء سيتوبلازمها وبروتينها، وأنزيماتها، وأغشيتها, وعضيتها, ولكن الرزاق لم ينساها, وساق إليها رزقها النيتروجيني في هذا الحيوان الذي تقتنصه وتتغذى عليه .
نبات القدر أو الجرة (Nepenthes)
من هذه النباتات المفترسة :
نبات القدر أو الجرة (Nepenthes):
 ويسميه البعض بنبات السلوى لاحتوائه على السوائل السكرية[5]، وفيه تتحور الورقة إلى شكل جرة أو قدر له غطاء عمقه 30سم في بعض الأنواع وعرضه 12سم بحيث يسمح بدخول الحشرات الكبيرة، وبعض الطيور الصغيرة والزواحف، وللنبات ألوان زاهية, وروائحة زكية وبداخله سائل، وكل الطرق والتراكيب تهيأت لإغراء الفريسه واقتناصها، فقمة القدر متدحرجة إلى الداخل وكل شئ يسمح بالمرور في اتجاه الداخل، ويحول دون المرور للخارج، والجدار الداخلية مغطاه بزوائد وحراشيف زلقة شمعية الملمس، وبعض الزوائد المتدلاة للداخل كالحبال الهابطة إلى الوادي من أعلى الجبل، وفي قاع القدر بعض الماء المتجمع من افرازات الورقة وماء المطر، والمخلوط بالإنزيمات الهاضمة للبروتين، والكاوية للفريسة التي تفرزها مجموعة كبيرة من الغدد الداخلية عددها ستة آلاف غدة في كل سنتيمتر مربع، وبعد سقوط الفريسة في السائل ينغلق الغطاء عليها وتبدأ عملية القتل والهضم والامتصاص والتمثيل الغذائي للفريسه .
أما نبات الفخ أو الديونيا ( Dionaea):
 فقد تحور نصل الورقة إلى صمامين متمفصلين عند العرق الوسطي، وفي حوافهما أشواك متبادلة الوضع في الصمامين، وعلى السطح العلوي للورقة زوائد استشعار باللمس، فعندما تلمس الفريسة، سواء أكانت حشرة أو ضفدعة، أو عصفور صغير, أو زاحف أصغر ينطبق المفصلان في سرعة خاطفة على الفريسة كما ينطبق الفخ الحديدي الذي يضعه الصياد للطيور والحيوانات، وبذلك تقتنص الورقة الفريسة وتحبسها في الفخ وتمنعها من الهرب والحركة، ثم تغرقها بالإنزيمات والسوائل الحارقة فتقتلها وتحللها, ثم تمتص عصارتها المهضومة والمتحللة، وبعد تمام امتصاص العصارة تفتح الورقة مصراعيها ملقية بالفضلات أسفل النبات، حيث تجد البكتيريا المحللة والفطريات الهاضمة رزقها فيه, وهكذا تعاد دورة الغذاء بافتراس حيوان جديد .
نبات الفخ أو الديونيا ( Dionaea)
والغريب في الأمر أن النبات يستطيع تمييز الفريسة الصالحة للهضم والامتصاص بأنزيماته الخاصة عن الفريسة غير القابلة للهضم والامتصاص، فيمسك القابلة، ويطرد غير القابلة قبل أن تموت  أو يفرز عليها العصارات الهاضمة .
ولا يكتفي النبات بالمصائدالهوائية السابقة بل هناك المصائد  المائية التي تصطاد الحيوانات السابحة في الماء في أكياس مثانية Bladders)ولكل مصيدة مثانية فتحة البواب المزودة بالملامس الاستشعارية، وعندما يلامس الحيوان تلك الملامس الاستشعارية يفتح الباب للداخل فيندفع الماء حاملاً الفريسة إلى داخل المثانة, حيث تحجز إلى أن يتم قتلها في هذا الجُب العميق  وتحليلها وامتصاص عصارتها المهضومة .
ولقد حاول باحثوا نظرية التطورالبحث في هذه النباتات المفترسة عن مبررات لتطويرها ونشأتها بالصدفة والعشوائية والطفرة والانتخاب الطبيعي، ولكن جاءت محاولاتهم غير علمية ولاتصمد أمام الحقائق الكونية .
      فمن حورهذه الورقة من ورقة إلى ومصيدة، وجهاز تحليل وهضم وامتصاص هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين)لقمان
من أعلم هذه النباتات أنها تحتاج إلى النتروجين وانها في بيئة فقيرة فيه ؟! هل لها عقل يفكر، هل عندها تفكير مدبر؟!
      ومن انبأهاأن هذه الحيوانات تحتوي النيتروجين الذي تفتقده في غذائها، وأنها ستموت ان لم تحصل على هذا النيتروجين؟
     من أعطاها هذه الآليات المعجزة للاحساس والامساك والهضم والامتصاص؟!
     ومن زودها بالإنزيمات الهاضمة للبروتين، وكل النباتات تحصل على نيتروجينها من البيئة الأرضية، فمن حول هذه النباتات  إلى المصادر النتروجينية الحيوانية الحية ؟!
        يقولون الصدفة؟
الصدفةتوقع الحيوان في ورقة النبات، ولكن لاتهيء النبات للامساك بالحيوان, ولاتهيء الجهاز الانزيمي للنبات لهضم الحيوان.
لو أراد الانسان تخليق انزيم لهضم البروتين لاحتاج للخبراء والمصانع والمعامل والبحوث والمواد الكيمياوية ويعجز عن فعل ذلك .
فأين المصانع التي أجرى فيها النبات بحوثه؟
وأين الخبراء ذو العلم الدقيق ليقدروا له ذلك؟!
لا إجابة علمية عقلية  شرعية شافية سوى أن الخالق خلق هذا النبات، وأودع فيه علمه وقدرته،  ليعلم الإنسان أن الله على كل شيء قدير.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
{62} كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)[سورة غافر].

[1]الأيض والاتزان
[2]نظمي خليل موسى وآخرون، البحرين: إدارة المناهج (1929م).
[3]انظر كتاب نشأة الحياة، نظمي خليل أبو العطا وآخرون ,إدارة المناهج – البحرين ( تحت الطبع )
- وكتاب نظرية التطور بين المؤيدين والمعارضين حيث ناقشنا فيه لأدلة العقلية والأدلة العلمية والأدلة العقلية  على بطلان النظرية التطورية.
[4]الزهرة علمياً ساق تقاربت عقدها وسلامياتها وتحورت أوراقها للقيام بعملية التكاثر الزهري.
[5]النباتات اللاحمه، محمد فرج، الخفجي – العدد الرابع يوليو (1989م) (ص26 ).
    -  انظر النبات العام، أحمد مجاهد وآخرون (ص 100 ) .

التقدير الرشيد بينة على التوحيد



كان يعتقد لسنين طويلة أن الزائدة الدودية كما تدل تسميتها عضو زائد لا فائدة منها حتى اكتشف أخيرا أنها لها فائدة مهمة للجسم باعتبارها عضو في جهاز المناعة كاللوزتين
إعداد فضيلة الدكتور محمد دودح
طبيب وباحث إسلامي في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن في مكة المكرمة
في عام 1859 نشر تشارلز دارون Charles Darwin كتابه: أصل الأنواع Origin of Species؛ وفيه أن الإنسان ثمرة سلسلة طويلة من التطور Evolution بدأت بنشأة كائنات بسيطة في البحار الأولية, فخالف معتقد الكنيسة وفقا للأسفار من نشأة الإنسان الأول مباشرة من التراب والماء بلا تمهل ولا أطوار وفقده لأحد أضلاعه كي تنشأ منه زوجته؛ في سفر التكوين (إصحاح 2 فقرة 7): "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً", وفي سفر التكوين (ح3 ف21و22): "فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا, وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ", فرفضت الكنيسة نشأة الإنسان في أطوار؛ وإلا شككت في التدوين. وفي عام 1871 نشر دارون كتابه الثاني مؤكدًا أن الإنسان منحدر من أسلاف حيوانية أسبق بعنوان: أرومة (أصل) الإنسان The Descent of Man, وافترض أيضا وجود تراكيب كان لها وظيفة في الأسلاف Ancestors ولم تُعرف وظيفتها في الإنسان فسُمُّوا بالأعضاء الضامرة Vestigial Organs أو الأثرية Rudimentary؛ منها الزائدة الدودية Appendix والعصعص Coccyx والغدة الصنوبرية Pineal gland, فلم يكن معروفًا بعد أن الزائدة الدودية عضو في الجهاز المناعي أول الأمعاء الغليظة يحميها من العدوى؛ ومثلها اللوزتين Tonsils أول الزور, وأن العصعص يقوم بتثبيت بعض عضلات المقعدة, ولم يكن معروفًا كذلك بعد أن الغدة الصنوبرية هي إحدى الغدد الصمَّاء التي تفرز هرمون الميلاتونين Melatonin استجابة للضوء فتنظم الإيقاعات الحيوية بالجسم كدورات النوم والاستيقاظ, وتنبأ دارون بالمثل بوجود أعضاء ناشئة Nascent organs بهيئة بسيطة في الأحياء الأدنى في سلم التطور اكتملت في الإنسان الأرقى نوعا, ولكن لم يثبت لها وجود؛ كما لم تثبت نبوءته في وجود بقايا متحجرة Fossils لحيوانات قد اندثرت تمثل الحلقات الوسيطة في سلم التطور. وفي عام 1895 بلغ ما أحصاه عالم التشريح الألماني روبرت ويدرشيم Robert Weidersheim 186 عضوا أثريا, واليوم قد استنفذت كل لائحة الأعضاء الأثرية المفترضة وعرفت وظيفة كل تركيب وفقدت الداروينية ركائزها الأساسية, فمن المخجل حاليا الإدعاء بأن الغدة الصعترية Thymus gland زائدة ضامرة بلا وظيفة, والمعلوم حاليا أنها العضو الأهم في جهاز المناعة وإنضاج الخلايا اللمفاوية Lymphocytes, وهي تقع أسفل الرقبة وتقوم بنشاطها في الحماية من العدوى بالكائنات الدقيقة الدخيلة خاصة أثناء الطفولة؛ وإذا أزيلت مبكرا فشل تطور جهاز المناعة, وقد افترض أن الغشاء الرامش Nictitating membrane (الجفن الثالث) في الحيوان بقي أثره بطرف عين الإنسان بهيئة طية Plica؛ لكنها تقوم بتيسير حركة العين وترطيبها, وبالمثل لم يعد مستندًا القول بتنامي المخ في الحجم دليلا على التطور؛ وإلا كان إنسان نياندرثال Neanderthal الجد المفترض للإنسان الحالي أكثر تطورًا لأن مخه أكبر, وكان الكلب أكثر تطورًا من الإنسان لأن كفاءة جهاز الشم عنده أفضل, وبالمثل لم تعد فرضية البقايا الضامرة مستندًا؛ كعضلات الأذن وهي بطانة واقية, وضرس العقل وهو للطحن, وصمامات الأوردة وهي تمنع رجوع الدم, ناهيك عن الغدة الدرقية Thyroid gland والنخامية Pituitary gland, وهكذا انحسرت لائحة الأعضاء الأثرية المزعومة في الإنسان من 186 تركيبا عام 1895 حتى تلاشت تماما عام 1999, فكل التراكيب التشريحية في الحيوان والإنسان تؤدي وظيفة ملائمة ومن الغفلة عن الحقيقة الإدعاء بوجود عضو بلا وظيفة.
 وكل خلية في جسم أي كائن حي قاعدة بيانات حية Living database؛ هكذا كانت الضربة القاصمة لأوهام الداروينية باكتشاف توريث سمات Traits كل نوع حي وفقا لبرنامج مُقَدَّر تحمله المُورِّثَات Genes بما يحفظ خصائصه, وفي محاولة يائسة افترضت الطفرة Mutation عام 1941 باسم الدارونية الجديدة New Darwinism بديلا عن افتراض تزايد عنق الزرافة Giraffe مع محاولتها مده نحو الأغصان المرتفعة واستبقاء الطبيعة للزرافات الأطول عنقا وإبادة سواها, ولكن ثبت أن الطفرة لم تأت بكائن أصلح وإنما بمسخ عقيم لأنها تخرب المنظومة السويَّة للمورثات في الحامض النووي DNA, وكشف علم التشريح المقارن أن الأنواع Species التي يفترض أنها تطورت ببطء من بعضها البعض تتسم بسمات عضوية بعيدة الاختلاف مما يستبعد الانتقال التدريجي, ولذا استبدل بفرضية التطور بقفزات كبيرة متفرقة في بداية السبعينيات, فاقترح بعضهم مثلا أن أول طائر خرج من بيضة إحدى الزواحف كطفرة هائلة؛ أي نتيجة صدفة ضخمة حدثت في التركيب الجيني, ولكن الطفرات لا تؤدي سوى إلى تلف المعلومات الوراثية ومن ثم فإن الطفرات الكبيرة لن ينتج عنها إلا تلفيات كبيرة، ولو صح جدلا الانتقال التدريجي أو الفجائي في نشأة منظومة الأحياء فلن يكون ذلك مصادفةً؛ بل كعمليات خلق مقدر رشيد. وكل الآليات المفترضة لتفسير التطور الذاتي العشوائي كالطفرة والانتخاب الطبيعي تقف عاجزةً مشدوهةً أمام حشرات مُؤَهَّلَةً بذكاء للتخفي عن الأعداء بهيئة أزهار يانعة أو أغضان ذابلة أو أوراق شجر خضراء, فهل حرمت الصدفة سواها من الحيل فبادت ووهبتها وحدها الخداع فسادت, أم هل ألبستها طفرة عابرة تلك الحلل البديعة لتبدو كزهرة وغصن وورقة شجر شكلا ولونا ولم تهمل حتى العروق واللطع والتجاعيد؛ أم أن تلك النوابغ تقمصت بهيئات استوحتها بدهاء!, أم أنها مصنوعة لتنطق بالتدبير والتوجيه بحكمة منذ الابتداء؛ وأن عناية الله تعالى الذي أحسن كل شيء خلقه تتجلى ساطعةً أمام كل فطين!.
كيف يمكن للانتخاب العشوائي أو الطفرات أن تبدع بالمصادفة بلا سبق تقدير رشيد كائنات تتخفى من الأعداء بدهاء بهيئة ولون ورقة شجر أو زهرة أو غصن, ولم تهمل حتى العروق واللطع والتجاعيد!.
وكيف تفسر وجود النباتات آكلة اللحوم Meat-eating (Carnivorous) plants, فأي ذكاء لها حتى تبلغ بها الحيلة صنع مصائد للحشرات من ورقة أو زهرة وتجذب الفرائس وتصيدها وتذيبها بعصارات سابقة التجهيز لتسد حاجتها للبروتين بلا علم منها بالكيمياء العضوية ولا إدراك بوجود الحشرات؛ فمن أمدَّها بالحيل البارعة!, ولم يكن الخفاش Bat على علم بفيزياء الرادار حتى يصنع لنفسه جهازا لإرسال واستقبال الموجات فوق الصوتية يُعينه على الطيران في أحلك الليالي وصيد فرائسه ويُوَرِّث حيلته للأجيال؛ فمن وهبه تلك البراعة!, وزهرة تتأنق لفراشة وتتزيَّن وتتعطَّر وتتمايل في دلال تدعوها لارتشاف حلو الرحيق؛ وما هي إلا حيلة لنقل حبوب اللقاح وحفظ النوع!, وحشرة تخدِّر فريسة وتطمرها مع بيضها حتى تجد اليرقات لاحقًا طعاما طازجًا, فكيف سبقت الحدث!, إن التَبَصُّر Prevision والسلوك الذكيIntelligent behavior والكائن غافل؛ لا تُفَسِّرُه صدفة وإنما تدبير وتقدير Predestination, والانتخاب الطبيعي Natural selection؛ أي الذي اختارته الطبيعة Nature, تفسير خاطئ أو مغالطة لأن كل حي مؤهل جسديًّا وموجه وظيفيًّا ومقدر سلوكيًّا بما يناسب بيئته ويحفظ وجوده بلا علم منه؛ فكيف تَحِيك الطبيعة علمًا وهي بلا إرادة أو علم!, فهل هي حقًّا مهارة الثوب أم حنكة الحائك!.
كيف يمكن للنبات المجرد من التمييز أن يبتكر الحيل بغير سابق تقدير ويصنع بدهاء مصائد للحشرات!.
وصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة بقوله: "تعرض دماغي لعملية غسيل.. كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود.., (ولكني الآن) لا أستطيع أن أجد أية حجة عقلانية تستطيع الوقوف أمام وجهة النظر المؤمنة بالله.., الآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة للحياة هي الخلق وليس الخبط العشوائي غير المقصود", إن انسجام كل حي مع بيئته وتكامل كل عضو مع مثيله وتناسب كل زوج مع نظيره هو عند النبيه شاهد عدل على الخلق والتقدير مهما كانت الكيفية؛ وهذا ما يعلنه القرآن بجلاء: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ. الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ. وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ﴾ الأعلى 1-3, وقد جاء في فتاوى الأزهر ( ج7 ص399): "ورد أن اللّه خلق الإنسان نوعًا مستقلا لا بطريق النشوء والاشتقاق من نوع آخر؛ وإن كان كلا الأمرين من الجائز العقلي الذي يدخل تحت قدرة اللّه تعالى، قال بعض العلماء: إنه لا يوجد فى النصوص أن الله خلق الإنسان الأول من تراب دفعةً واحدةً أو بتكوين متمهل على انفراد, فسبيل ذلك التوقُّف وعدم الجزم بأحد الأمرين حتى يقوم الدليل القاطع عليه فنعتقده؛ ما دام أن الذي فعل ذلك كله هو الله تعالى, ثم إن النواميس المذكورة فى مذهب داروين ظواهر واضحة في الكون, ولا حرج في اعتقادها؛ ما دام أن الله هو الذي خلقها ووجهها, فهي لا تحقق وجودها من نفسها: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلََهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ﴾ الأنعام 102، فهو خالق المادة والنواميس", ولكن (ج7 ص412): "قولهم أن المخلوقات خُلقت عشوائيًّا بغير تدبير سابق وعلم محكم يرده قول اللّه سبحانه: ﴿إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ القمر 49".
تبلغ وحدة التصميم والتماثل بين الكائنات الحية أقصاها في المراحل الجنينية الأولى

وحدة التصميم والتماثل رغم التنوع الهائل للأحياء شاهد عدل على وحدانية الصانع وقدرته.
والتَّكَيُّف Adaptation يعني أن كُلٍّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له؛ فهو مواءمة كل حي لبيئته وتناسب كل تركيب مع وظيفته؛ كتنويع أشكال المناقير والمخالب بما يناسب بيئة التغذي, وكالوسائل الدفاعية في الأسماك البحرية, وتلون الحيوانات بألوان بيئتها تخفيا من الأعداء ومثاله الحرباء، وكوجود حوافر للخيل لتلائم الجري السريع وخف للجمل ليمنع الغوص في الرمال, وكإحاطة أوراق نباتات الصحراء بطبقة عازلة تحافظ على الماء تجنبا للجفاف, والداروينية محاولة لتفسير الكيفية بتخيل تواجد كم هائل من الأشكال قبل تغير البيئة واستبقاء الانتخاب الطبيعي ما يوائم الظروف الجديدة وبقية الأشكال تبيد, وهو افتراض مطعون فيه لأن الظروف القديمة لن تبق على أشكال غير ملائمة حتى ينتخب منها الأصلح في الظروف الجديدة, والفوضى Chaos لا تصنع نظام Order، والتنويع مع التماثل يعارض الإلحاد Atheism, ولو كانت التغيرات عشوائية كما تفترض الداروينية؛ فلم كانت دائما في اتجاه الأصلح!, وكل كائن بلا استثناء متكيف مع بيئته وموجه لما يحافظ على بقائه؛ مما يقتضي مشيئة الصانع وسبق علمه وقدرته ورعايته للمخلوقات, فللبط غشاء للقدمين ينشأ منذ فقس البيض؛ وليس نتيجة لمحاولة العوم, ويسبق إعداد الضرع أثناء الحمل ليستقبل الوليد عند قدومه, وقبل الشتاء يسقط ورق النبات حفاظا على الغذاء وتكنز أجسام الدببة القطبية الدهون منعا للتجمد, وكل الوجود مرتب في منظومات؛ كما هو جدول العناصر, وهو لا يعني بالضرورة أن العنصر الأعقد تطور من آخر أبسط, وعلى فرض صحة التطور كآلية لتفسير التماثل والتنويع والتدرج فهو التطور المُقَدَّر الرشيد Rational directed evolution, والقرآن الكريم يكشف عن وجود سجلات للماضي تتطلب البحث ويلح بالسؤال عن كيفية بدء الخلق بلا سابق مثال؛ قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ العنكبوت: 20, وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الطور: 35, فالقدرة الخلاقة المبدعة لا يعجزها أن تخلق كل حين أشكالا وتنوعات لا يحصيها الخيال يوحدها التماثل في الإتقان والوحدة في التصميم؛ ولتكن ما تكون الكيفية؛ فالقضية الجوهرية التي غفلت عنها الداروينية هي طلاقة قدرة الصانع مهما كانت آلية تكون الصنعة, قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 36 يس: 81و82, وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ آل عمران: 47, والتنويع والتدرج يمكن تفسيره بخلق كل نوع من الأحياء بانفراد مع وحدة في التصميم؛ ويمكن تفسيره بتطور الأنواع المُقَدَّر الرشيد, وفي الحالتين لابد من خالق فريد الصفات, ولكن التطور الذاتي تخمين وليس علمًا؛ فكل حي مُقَدَّر الكيان ينطق بالإيمان, وزعم الخلق الذاتي انتكاسة نحو الوثنية Paganism؛ والتماثل والوحدة في التصميم Design رغم التنويع شاهد عدل على وحدانية الصانع وقدرته, وكل ما في الوجود يردد مع القرآن الكريم: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه: 50.
يمكن التواصل مع المؤلف عبر الايميل التالي:

 mdoudah@hotmail.com

References: ·          
      Encyclopedia Britannica CD. ·        
        Encarta Encyclopedia CD.
 Harun Yahya: The Evolution Impasse, If Darwin Had Known about DNA, The Skulls That Demolish Darwin, The Religion Of Darwinism, Signs Of God Design In Nature, Why Darwinism Is Incompatible With The Qur'an,  The Perfect Design In The Universe Is Not By Chance, The Disasters Darwinism Brought To Humanity, The Collapse Of The Theory Of Evolution



الإيجاز البلاغي في قصة النبي يوسف


يشكل الإيجاز، بوصفه صورة من صور البلاغة القرآنية، سمة من سمات كتاب الله (عز وجل) إذ يتميز النص القرآني عموماً بالتركيز والتكثيف، والوصول إلى جوهر المعنى عبر القول الموجز والإشارة الدالة.
تُستثنى من ذلك بعض الآيات التي اقتضى البيان الإلهي أن تأتي بشكل مفصّل، لكنه تفصيل لا ِيُحَمِّلَ التركيبَ فوق ما يحتمل المعنى أو يقتضيه. وفي ذلك كله بلاغة استدعت الإطناب والتفصيل في موضع، والإيجاز والتكثيف في موضع آخر.
تتجلى ظاهرة الإيجاز في قصة سيدنا يوسف (عليه السلام) في عنصرين أساسيين هما:
1 - الإيجاز في اللفظ
2 - الإيجاز بالحذف
وهذان العنصران متداخلان، متشابكان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولذا فإن الحديث عن الإيجاز في القصة يقتضي بالضرورة دراسة هذين العنصرين في سياق واحد.
لكن الوقوف على مواطن الإيجاز جميعها في قصة يوسف (عليه السلام ) والإشارة إلى ما تحمله من دلالات بلاغية أمر متعذر، فكل جملة ( لا في القصة وحدها بل في القرآن الكريم كله) تحتاج إلى وقفة مطولة، دراسة وتحليلاً، فهماً وتدبراً ، إذا ما أردنا دراسة جانب من جوانب تركيبها البلاغي.
ولذلك نرى أن نقف على بعض مواطن الإيجاز في القصة، علنا نجد فيه مثالاً لما يذخر به النص القرآني من الإيجاز البلاغي الذي يمثل جانباً من جوانب إعجاز القرآن الكريم، مما لا يكون لبشر قط مهما أوتي من فصاحة القول وبلاغة المعنى .
ولابد أن نشير أولاً إلى أن قصة يوسف (عليه السلام) جاءت في السورة عبر مجموعة من المشاهد، التي ترتبط فيما بينها ترابطاً عضوياً، فالانتقال من موقف إلى آخر في القصة يتم – غالباً – دون رابط سردي، غير أن الارتباط برابط السببية بين المشاهد، يغني عن السرد المحذوف، ويقوم بدوره، ويخلق في الوقت ذاته حالة من الحركية التعبيرية.
من هنا كان تناولنا قضية الإيجاز في القصة يقوم على التقاط بعض المشاهد منها، ومن ثم دراستها دراسة تحليلية تبين دور الإيجاز في صياغة القصة صياغة فنية رفيعة.
قضية الرؤيا:
( إذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ )
بذكر قضية الرؤيا تبدأ قصة يوسف ( عليه السلام )، هكذا دون تمهيد أو مقدمات غالباً ما تحفل بمثلهما القصص الأدبية، وفي حذفهما هنا ، والبدء بذكر قضية الرؤيا إشارة بليغة إلى أنها قضية جوهرية ومحور رئيس في البناء القصصي، وبذلك يكون البدء بذكرها أدعى إلى لفت النظر إليها، والتركيز عليها، وهذا ما لا يكون لو أنّ ذكرها سبق بتمهيد أو مقدمات!!!
وقول سيدنا يوسف " إني رأيت " ثم توكيده بـ " رأيتهم" ليس فيه ما يشير إلى أن ما رآه كان على وجه الحقيقة /من الرؤية/ وذلك من قبيل المعجزة التي لن تكون غريبة على بيت النبوة، أو أنه في المنام /من الرؤيا/ ذلك أن الفعل ( رأيت) يصلح في حالتي ( الرؤية ) و( الرؤيا).
ولكن يأتي قول سيدنا يعقوب ( يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ) إذ لم يقل (رؤيتك) ليدلّنا على أن الرؤيا كانت في المنام، ولو ذكر سيدنا يوسف ذلك لكان في قول أبيه تكرار لما سبق ذكره، فكان حذف السابق لدلالة ما سيأتي عليه، وهذه سمة من سمات الأسلوب القصصي في سورة يوسف ( عليه السلام) كما سيتضح لاحقاً.
ولربما قيل: لماذا لا يذكر الأمر أولاً ثم يحذف تالياً فينتفي بذلك التكرار؟
نقول : إن ذلك سيفقد القصة عنصر التشويق، ويلغي إثارة التساؤل، وتحفيز الفكر، وتحريض المخيلة، وتلك عناصر مهمة ومؤثرة في البناء الفني للقصة، وكلما كان البناء الفني جيداً كان أقدر على إيصال الفكرة، وتحصيل الفائدة، وإدامة الأثر.
بين يوسف وإخوته:
( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ )
بهذا عقّب سيدنا يعقوب على ذِكْرٍ ابنه رؤياه، وفي قوله هذا ما قد يثير في نفس يوسف (عليه السلام) حقداً على إخوته وكراهية لهم، فأراد أبوه أن ينسب أسباب الكيد إلى عداوة الشيطان للإنسان، ليؤكد ليوسف أن كيد إخوته له _ فيما لو حدث _ ليس صادراً عن طبع فيهم وسجية، بل إنه من وساوس الشيطان، فيدفع بذلك ما قد يثار في نفس يوسف على إخوته، وجاء ذلك في قوله: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) فجاء في تلازم التحذير من إخوته وذكر عداوة الشيطان للإنسان في سياق واحد ما يغني عن طول الشرح وكثرة التفصيل.
ولعلنا نلاحظ أن تحذير سيدنا يعقوب ابنه يوسف من إخوته إنما جاء مقتضباً موجزاً ، إذ لم يأتِ على ذكر الأسباب التي ستدفعهم - وهم إخوته - إلى الكيد له وإظهار العداوة، ليأتي ذكر ذلك كله فيما بعد على لسان إخوة يوسف: ( إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .
ويجتمع إخوة يوسف للتشاور في أمره، وإيجاد طريقة للتخلص منه، وتطرح الآراء:
( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ *قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ )
هنالك ثلاثة آراء إذاً (اقتلوا يوسف _ اطرحوه أرضاً _ ألقوه في غيابة الجب) ولا تشير الآية الكريمة، إلى الطريقة التي أجمعوا عليها ، والقرار الذي توصلوا إليه، بل انتهى الأمر بهم في هذا المجلس حسب ما جاء في الآية عند حدود طرح الآراء والتشاور الذي لم يأتِ من بعده اتفاق نهائي أو إجماع مطلق، حسب نص الآية .... وهذا حذف يثير التساؤل حول ما ينوون فعله، وقد تضاربت آراءهم واختلفت، لنكتشف، فيما بعد، القرار الذي اتخذوه أثناء مشاوراتهم وأكدوه قبيل تنفيذه وذلك في قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) فكلمة (أجمعوا) في هذا الموضع تدل على أن الأمر لم يكن مجمعاً عليه تماماً حتى ذلك الوقت، وربما وجد بينهم من لم يكن راضياً عن هذا القرار، لكنه انصاع لرأي الأكثرية فصار الأمر إجماعاً.
ومن مواطن الحذف ما يتجلى في عدم ذكر العذر الذي سيعود به إخوة يوسف إلى أبيهم بعد التخلص من أخيهم، إذ لا يعقل أن الأمر لم يكن موضع اهتمام ومدار نقاش خلال مشاوراتهم، لكن الحذف جاء لإثارة الفكر، والمحافظة على عنصر التشويق من جهة، ومنعاً للتكرار من جهة أخرى، ذلك أن ادعاءهم بأن الذئب أكل أخاهم سيأتي في موقف آخر (عند لقائهم أباهم) وقد عادوا دون أخيهم، ولا شك أن تأجيل ذكر ما اتفقوا عليه إلى هذا الموقف أكثر أهمية من ذكره في موضع سابق.
اتفق إخوة يوسف على التخلص منه، وبيّتوا عذراً يحملونه إلى أبيهم بعد أن يتم لهم ما خططوا له، ولم يعد أمامهم إلا إقناع أبيهم بأخذ يوسف معهم:
( َقالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ )
انظر إلى البيان الإلهي، وتأمل البلاغة القرآنية فيما ينطوي عليه قولهم هذا من معانٍ متعددة تشير في مجملها إلى طبيعة العلاقة بين الأب وأبنائه فيما يتعلق بشأن أخيهم يوسف، وأنها علاقة مبنية على فقد الثقة وعدم الاطمئنان.
ففي قولهم: مالك لا تأمنّا - على قلة ألفاظه - ما يدل على أن إخوة يوسف قد حاولوا أكثر من مرة الانفراد بأخيهم وكان أبوهم يقف حائلاً بينهم وبين ذلك، لشعوره أن ابنه (يوسف ) لن يكون في مأمن ما داموا منفردين به، وقولهم (مالك لا تأمنا)، تدل على حال دائمة، قائمة، مألوفة، وتدل أيضاً _ وقد جاءت على ألسنة إخوة يوسف_ أنهم يدركون بأنهم ليسوا موضع ثقة أبيهم (في شأن يوسف على الأقل) لذلك تجدهم حين عودتهم دون أخيهم يقولون: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) مؤكدين إدراكهم غياب الثقة عن نفس أبيهم تجاههم.
وما كان ردّ سيدنا يعقوب أمام ادّعاء أبنائه إلا أن:
( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )
انظر في قوله تعالى، حكاية عن سيدنا يعقوب: (سوّلت لكم أنفسكم) أي زيّنت لكم، فإنكم إنما مكرتم به ابتغاء منفعة تظنون، واهمين، أنكم ستحققونها بفعلكم. لكنّ أنفسكم خدعتكم وغرّتكم وصورت لكم الأمور على غير ما ستنتهي إليه.
وهذا ما كان حقيقة، فما فعلوه كان بقصد تغييب يوسف ليخلو لهم وجه أبيهم، ولينفردوا بمحبته إياهم، لكن الأمر سار على غير ما أرادوا، إذ ظلّ أمر يوسف يشغل بال أبيه مدة غيابه عنه حتى ضجر منه مَن حوله و: (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ). فانظر في قوله: سولت لكم أنفسكم ، كم استطاعت أن تعبر عن المعنى المراد بإيجاز شديد.

إخراج يوسف من البئر:
( وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )
بهذه الآية الكريمة يصف الله تعالى إخراج يوسف من البئر، بواسطة بعض المسافرين من التجار، وقد جاء ذكر إخراج يوسف من البئر موجزاً، مختصراً، لكنه إيجاز مذهل يغني عن السرد الطويل والشرح المفصّل.
فقد تتالت الأفعال في الآية الكريمة تتالياً سريعاً، رشيقاً، بالفاء العاطفة التي تفيد ترتيب حدوث الأفعال وتعاقبها دون فارق زمني يذكر، وهذا معناه أن المسافرين لما صاروا على مقربة من البئر أسرعوا في إرسال من يجلب لهم الماء ( فأرسلوا واردهم )، فأسرع هذا بدوره ملبياً حاجتهم إلى إحضار الماء بسرعة (فأدلى دلوه) وهنا تختفي (الفاء) (قال يا بشرى) ولم يقل الله سبحانه وتعالى (فقال يا بشرى ) ذلك أن البشرى تقتضي المفاجأة، وهذا ما يتحقق بحذف الفاء لتأتي العبارة مفاجئة، للدلالة على البشارة.... وتأمل - ضمن السياق - قول الوارد مستبشراً: (فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ) .
وقوله تعالى عن المسافرين الذين وجدوا يوسف (عليه السلام) : (سيّارة) وهي صيغة مبالغة من اسم الفاعل،إنما تدل على أن شأنهم كثرة السير، فهم تجار تعودوا السير في هذا الطريق، وهم بحكم كثرة سيرهم على هذا الطريق يعرفون البئر، يدل على ذلك سرعة إرسالهم الوارد حال اقترابهم من البئر( دلت على ذلك الفاء العاطفة) دون وجود ما يشير إلى أنهم وجدوا مشقة في اكتشاف هذا البئر، و ربما يوحي هذا بغير ما ذهب إليه بعض مفسّري الآية من أن إخوة يوسف ألقوه في بئر بعيدة عن طريق المارة، وأن هؤلاء السيارة قد ضلوا طريق سفرهم، فوجدوا البئر مصادفة.
فتعودهم السير في هذا الطريق(إذ هم سيّارة) يبعد من الذهن إمكانية أن يضلوا طريقهم. وإسراعهم بإرسال الوارد لا يوحي بإيجادهم البئر مصادفة، بل ربما دلّ على معرفتهم بوجود بئر في المكان الذي وصلوا إليه.
ولنعد إلى قول إخوة يوسف عند تشاورهم في أمر يوسف: ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ )،والفعل (يلتقطه) جواب الطلب (ألقوه)، وجواب الطلب نتيجة له، ولو أنهم ألقوه في بئر بعيدة لكان التقاط بعض السيارة إياه أمر غير وارد، بل ربما هلك قبل أن يهتدي إلى مكان وجوده أحد !!
ويأتي الإيجاز في صورة من أجمل صوره، وأكثرها إيحاء،في قوله تعالى (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) فأما قوله تعالى:" أسرّوه " أي تعاملوا مع الأمر بسرية، فيعني أنهم خافوا أمراً ما( ربما خافوا أن يدّعي ملكيته أحد أو غير ذلك مما لا فائدة من تحديده ).
وأما قوله تعالى: " بضاعة " فيدلّ على أنهم تجّار، وربما كانوا تجار رقيق، أو أن هذا النوع من التجارة كان رائجاً منتشراً في ذلك الوقت، فاستبشروا بعثورهم على الغلام كونه بضاعة لها قيمتها وأهميتها... فتأمل كم اختزلت عبارة ( وأسروه بضاعة ) من المعاني والدلالات.
ويأتي قوله تعالى: ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ )
ليثير في النفس تساؤلاً مهماً إذ كيف كان إيجاد الغلام والتعامل معه بوصفه بضاعة رابحة أمراً يبعث البشرى في نفس الوارد ورفاقه، ثم باعوه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين!؟
إن هذا الأمر الذي يثير التساؤل إنما يعلله ما جاء في الآية السابقة، في قوله تعالى: " وأسرّوه بضاعة " والسّرّية كما قلنا تعني الخوف، فالخوف إذاً هو الذي دفعهم إلى بيعه بأي ثمن، فذلك خير من أن يفقدوه دون مقابل، أو يظلّ عبئاً عليهم لأن ملكيتهم له لم تكن مشروعة، لذا استعجلوا الخلاص منه، ومن يستعجل الخلاص من بضاعة يبيعها بثمن بخس، ويكون زاهداً فيها، أما رأيت إلى السارق كيف يبيع ما يسرقه بأرخص الأثمان مهما ارتفعت قيمته وغلا ثمنه ...!!
يوسف وامرأة العزيز:
ويشتريه رجل من مصر (العزيز) ويوصي زوجته بأن تكرم مثواه، غير أن امرأة العزيز تجاوزت ذلك – لما بلغ أشده - إلى حدّ العشق والتعلق، فرغبت به وراودته عن نفسه، وغلقت الأبواب، فأبى وأصرت:
( وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
(واستبقا الباب) أي استبقا إلى الباب ( الباب اسم منصوب بنزع الخافض ) أي أراد كل منهما أن يسبق الآخر إلى الباب هو ليفتحه وهي لتمنعه، ورأى بعض المفسرين أن في قوله تعالى: ( واستبقا الباب ) بالمعنى الذي قلناه إيجاز قرآني بلاغي.
ولنا أن نضيف إلى ذلك أن الصيغة التي جاءت عليها الكلمة ( استبقا ) وهي تدل على تكلّف الفعل وبذل المشقة في سبيله، إنما تحمل دلالة بيانية أعمق، ففيها أن امرأة العزيز أسرعت إلى الباب باذلة في ذلك جهداً مقترناً بعزيمة وإصرار على ارتكاب الفاحشة دون أن يثنيها عن ذلك ولو خاطر عابر بالتراجع عما أقدمت على فعله.
وبالمقابل فإن يوسف (عليه السلام) بذل كل مشقة في سبيل الوصول إلى الباب وفي ذلك دلالة قاطعة على أن ثمة عزماً شديداً منه على تجنب ارتكاب الفاحشة دون تراخٍ أو تهاون أو مرور خاطر بالنزول عند رغبتها.
( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ )
لنقف عند شهادة الشاهد، والشاهد أتت من المشاهدة، وامرأة العزيز ويوسف لم يكن معهما أحد ليكون شاهداً على ما حدث، ولعل الشاهد قد شهد موقف امرأة العزيز ويوسف ( عليه السلام ) وقد ألفيا سيدها لدى الباب، وذِكرُ الشاهد قضيةَ قدِّ القميص تعني بالضرورة عدم رؤيته قميص يوسف وقد قُدَّ من دبر، وإلا فلا معنى لشهادته.
كيف خطرت له مسألة القميص إذاً ؟
أَوَلم يكن ممكناً ألا يكون يوسف ( عليه السلام ) مرتدياً قميصاً في ذلك الموقف ؟
الراجح - والله أعلم - أن امرأة العزيز ذكرت قميص يوسف لتجعله دليلاً على مقاومتها إياه ومنعه من فعل الفاحشة، ولم تُشر إلى الجهة التي قُدَّ منها، وكأن الشاهد – وهو خارج الباب برفقة العزيز – قد سمع ذلك دون أن يرى يوسف ، فرأى أن يجعل القميص دليل إدانة أو براءة، وهنا تنبّه العزيز إلى هذه المسألة فعرف بها كيد زوجته، وتأكد من براءة يوسف مما اتهمته به زوجته.
وهذا من وجوه الحذف البلاغي في القصة، إذ لم تشر الآية إلى أن امرأة العزيز ذكرت قدّ القميص كدلالة على براءتها، والآية لم تذكر أيضاً مكان وجود الشاهد في هذا الموقف، وأنه كان يسمع ما يحدث وهو خارج الباب دون أن يرى... فهذا كله مما توحي به الآية الكريمة بإيجاز موحٍ يحتاج إلى شيء من التأمل والتدبر.
ومما جاء في هذا الموقف مفصلاً قول الشاهد:
إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ
إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ
وكان ممكناً حسب البلاغة القرآنية اختزال هذا القول بالاكتفاء بالجزء الأول منه، إذ يتضمن في ظل وجود الشرط معنى جزئه الثاني.
لكن ذكر جانب دون الآخر، أو التفصيل في جانب والإيجاز في جانب الآخر– فيما لو جاء على هذا النحو – ربما يحمل دلالة على ميل الشاهد إلى الاحتمال الذي فصّل فيه، لذا جاء قوله في الاحتمالين متساوياً من حيث عدد الكلمات، حرصاً منه على أن يكون دقيقاً في قوله، منطقياً في رأيه، حيادياً، عادلاً، في سبيل الوصول إلى الحقيقة.
( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ )
إن قوله تعالى: ( قال نسوة في المدينة ) يدل على تسرّب الخبر من القصر وانتشاره على نطاق ضيّق، لم يصل حدّ الشيوع والعموم، فـ( نسوةٌ ) اسم جمع قلّة، وهذا ما مكن امرأة العزيز من دعوة هؤلاء النسوة إلى قصرها.
(ونسوة في المدينة) تقليل لشأن هؤلاء النسوة إذ جاء ذكرهن منكراً، على عكس ما جاء في الآية نفسها بقولهم:(امرأة العزيز) وهذا يدل على أنهن دونها شأناً ومكانةً.
وقد فصّل المفسرون القول في هذه الآية، فرأوا أن نسبتها إلى زوجها العزيز أدعى إلى استعظام الأمر، فهي متزوجة (هذا من جهة) وهي من (ذوات النفوذ والسلطان) فأمرها أعظم سوءاً من سواها .
(تراود): مضارع يدل على التجدد والاستمرارية، أي كان هذا ، وما يزال، دأبها وديدنها حتى لحظة قولهن، فهي تفعل ذلك بإصرار واستمرار.
( فتاها ):عبدها أو مملوكها، وهذا أكثر تشنيعاً وتشهيراً فسميت بـ (امرأة العزيز) أي ذات النفوذ والسلطان، وسمي من تراوده عن نفسه بـ( فتاها)، تذكيراً بتبعيته لها ومملوكيتها له.
( قد شغفها حباً ): أي وصل حبه سويداء قلبها وتمكّن منه.
( إنّا لنراها في ضلال مبين ) وجاء قولهن هذا مؤكداً بمؤكدين زيادة في استنكارهن فعلها، وأنه بعيد كل البعد عن الصواب والرأي السديد... فتأمل كم حملت هذه الكلمات القليلة الموجزة من معان ودلالات !!
( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا )
قوله تعالى: آتت كل واحدة منهن سكيناً، إشارة إلى أنها وضعت لهن أصناف الفواكه وسواه، مما يحتاج أكله إلى استخدام السكين.
وقوله تعالى(سمعت بمكرهن) يدل على أن ما قالته النسوة قد تناقلته الألسن(كثرت أم قلّت) حتى تناهى الخبر إلى سمعها. فسماع الأمر غير السماع به، فالسماع بالأمر يعني أن ثمة واسطة أو ناقلاً بين القائل والسامع، بين المرسل والمتلقي، وهذا يؤكد تناقل الخبر، ولو على نطاق محدود، ويفسّر في الوقت ذاته علّة سجن يوسف رغم رؤية الدلائل على براءته، إذ أخذ الخبر ينتشر بين الناس، حتى غدا سجنه أدعى إلى إلصاق التهمة به وتجريمه، وبذلك يبدو الأمر محاولة اعتداء عبد على سيدته، نال جزاءه سجناً.
خروج يوسف من السجن:
يخرج يوسف ( عليه السلام ) من السجن بعد تأويل رؤيا رآها الملك وقد جهل تأويلها أصحاب هذا العلم ممن يحيطون به، ولما أن علم الملك بقصة يوسف مع النسوة، وعلم ببراءته مما اتهم به ...
(قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) انظر في قوله تعالى حكاية عن الملك (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) فقد اشتملت كلمة (أستخلصه) على جملة من المعاني (كما وردت في معاجم اللغة ):
أستخلصه: أي أنجيه من كربته أو مصيبته، وأختاره، وأصطفيه، وأختصه: أجعله خالصاً لي.
وأستخلصه: مبالغة من ( أخلصه ) تدل على شدة حرص الملك على اصطفائه يوسف، واختياره إياه، ليكون من خاصته.
(فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ )
وفي الكلام محذوف .... أي لما كلمه الملك أعجب بحسن منطقه، ورجاحة عقله، واتزانه، مما زاده إعجاباً به، فارتقى بعلاقته بيوسف ( عليه السلام ) من العلاقة الخاصة، بجعله مقرباً إليه، إلى أن يجعل له مكانة مرموقة ورتبة عالية في دولته.
ولما أن علم يوسف علوّ منزلته عند الملك، وتيقن من ثقته به، ومحبته إياه (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ).
وقوله: إني حفيظ، جاءت رداً على قول الملك (مكين أمين) أي إنني أهل للثقة، حافظ للأمانة.
ثم أضاف إلى ذلك قوله ( عليم ) أي عالم بإدارة الأمور المالية في الدولة، بما يضمن تحقيق العدل والمساواة بين الرعية.
و يبدو أن وزارة المالية لم تكن قادرة - إذ ذاك - على إدارة شؤون الدولة الاقتصادية، فأراد يوسف ( عليه السلام ) أن يشغل هذا المنصب لدرايته بذلك، وعلمه به.
وليس أدل على ذلك من قول يوسف عند تأويل رؤيا الملك :
( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ )
نلاحظ أنّ يوسف ( عليه السلام ) لم يكتفِ بتأويل الرؤيا بل ضمّن ذلك إيجاد الحلول، ولو كان من يدير الشؤون الاقتصادية قادراً على إيجاد الحلول، لوقف سيدنا يوسف عند حدّ تأويل الرؤيا وترك أمر الحل إلى أصحاب الشأن.
ولعل ما طرحه يوسف ( عليه السلام ) حلاً للمشكلة قبل وقوعها كان سبباً في جعل الملك أكثر إيماناً بأهليّة يوسف لهذا المنصب...
وإذا صحّ ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الرجل الذي اشترى سيدنا يوسف ( أي العزيز ) هو من كان يشغل منصب وزير المالية في ذلك الوقت، فإن في ظلمه يوسف ( عليه السلام ) وسجنه إياه، رغم تأكده من براءته، دليل كاف على أنه ليس أهلاً لذلك المنصب، إذ لن يكون وهو على هذه الحال عادلاً بين الرعية ...
يوسف وإخوته في مصر:
وجاء إخوة يوسف ليكتالوا في سنوات الجدب، غير أن يوسف أبى إلا أن يعودوا ليحضروا أخاهم بنيامين حتى ينال حصته ، فعاد إخوته وراودوا عنه أباه حتى جاؤوا به بعد أن أعطوا أباهم ميثاقاً بأن يحفظوا أخاهم بنيامين من كل سوء ما لم يغلبوا على أمرهم:
( وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
انظر في قوله تعالى (آوى إليه أخاه) كم فيه من إيجاز في الألفاظ ، وغنىً بالمعاني والدلالات.
فمن ينظر في كلمة (آوى) في معاجم اللغة سيجد أنها تأتي بمعنى: أعاد، وضمّ، وأحاط، وأنزل عنده، وأشفق، ورحم، ورقّ. وتآوت الطير: تجمعت بعضها إلى بعض. وتآوى الجرح : أي تقارب للبرء.
فانظر بلاغة القرآن العظيم وكم لهذه الكلمة من المعاني التي تصوّر حال يوسف (عليه السلام) عند لقائه أخاه بعد فراق طويل !!
ثم يأتي قوله تعالى:
( فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ )
إن الآية الكريمة تشير إلى أمر يثير الاستغراب، إذ لا يعلم المتلقي أية حاجة تلك دفعت يوسف ( عليه السلام ) إلى إلصاق تهمة السرقة بأخيه!!
إذاً ثمة أمر كان قد أضمره يوسف (عليه السلام) بوضع الصواع في رحل أخيه ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ ) ، وليس في نص الآية الكريمة ما يشير إلى أن يوسف (عليه السلام) كان قد اخبر أخاه بما ينوي فعله، حتى لا يفاجأ أو يفزع من وجود الصواع في رحله أمام مرأى من إخوته، وبعض خاصة يوسف (عليه السلام).
لقد أراد يوسف (عليه السلام) بفعله هذا أن يستبقي أخاه بنيامين فاحتال لذلك ودبّر، لكن ما فعله يوسف (عليه السلام ) لم يكن في حقيقته إلا وحياً من الله سبحانه وتعالى: ( كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ).
وحاول إخوة يوسف ( عليه السلام ) العودة بأخيهم بنيامين إلى أبيهم، وذهبوا في إقناع يوسف كل مذهب ... لكنهم يفلحوا:
( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا )
واستيئسوا : صيغة مبالغة من يئسوا، ومعنى ذلك أنهم بذلوا في سبيل إقناعه كل جهد ولم يفلحوا، فلما بلغوا غاية اليأس اعتزلوا الناس ومضوا، منفردين في جانب بعيد عنهم، ليقلّبوا وجوه الأمر فيما بينهم.
واستخدام صيغة مبالغة من يئسوا ( استيئسوا ) فيه التزام بما عاهدوا أباهم عليه حين أعطوه موثقاً من الله أن يحفظوا أخاهم ما لم يغلبوا على أمرهم، ولذا بذلوا في سبيل ذلك كل جهد، واتبعوا كل وسيلة.
وأما التناجي فيما بينهم ففيه ما يدل على طرح أمر لا يريدون من غيرهم أن يطّلع عليه ... لذا كانت نجواهم فيما بينهم تتعلق بهذين الأمرين:
قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ.
وتمضي الأحداث ليكتشف إخوة يوسف أن العزيز ما هو إلا ذلك الغلام الصغير الذي ألقوه في غيابة الجب منذ سنوات بعيدة، فاعتذروا إليه، وحملوا قميصه، وعادوا به ليلقوه على وجه أبيهم، فيرتد إليه بصره بعد أن فقده حزناً على فراق ولديه.
وينتقل الجميع إلى مصر ليجمع الله تعالى سيدنا يعقوب بابنه يوسف ( عليهما السلام ) بعد غياب طويل، (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ها هي كلمة ( آوى ) ترد من جديد، تتضمن معاني التآلف ، والتئام الجرح، وتحمل في طياتها معاني الرحمة بأبويه، والعطف عليهما، وقد أصبحا طاعنين في السن.
دعاء يوسف (عليه السلام):
وتنتهي قصة يوسف بدعائه عليه السلام:
( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ).
فانظر المعاني العظيمة التي اشتمل عليها الدعاء بإيجاز شديد كما ورد ت في الآية الكريمة ؟
في دعاء يوسف ( عليه السلام ):
- أمران نالهما يوسف من ربه في الدنيا: آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ
- أمران طلبهما يوسف من ربه لآخرته: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
- أمران يتعلقان بصفات الله تعالى :
القدرة والخلق .. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
الإلوهية والوحدانية .. أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا (بما وهبتني) وَالآخِرَةِ (بما أرجوه منك)
فانظر آداب الدعاء في قول سيدنا يوسف:
بدأ يوسف ( عليه السلام ) دعاءه بالاعتراف بفضل الله تعالى عليه في الدنيا، بما وهبه من العلم والملك. ثم أثنى عليه بما هو أهله، واختار من صفات الله تعالى القدرة، والخلق (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، فخالق السموات والأرض هو القادر وحده على إجابة الدعاء.
ثم أقر سيدنا يوسف بعبوديته لله تعالى، وتوحيده إياه، والافتقار إليه، باستعطاف، واسترحام، وتذلل: ( أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ ).
ثم طلب بعد ذلك من الله تعالى أن يتوفاه على الإسلام ويلحقه بالصالحين.
فكان أن جمع سيدنا يوسف في دعائه بين خيري الدنيا ( العلم والملك ) والآخرة ( الوفاة على الإسلام، والحشر مع الصالحين في الجنة ) طالباً ذلك كله من خالق السموات والأرض ومن فيهما، ووارثهما ومن فيهما.
ياسر محمود الأقرع
لمراسلة المؤلف:
yaserakra@maktoob.com

مثل عيسى عند الله تبارك وتعالى



قال الله تبارك وتعالى:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ﴾( آل عمران: 59-60)
أولاً- ذكر الله تبارك وتعالى هاتين الآيتين الكريمتين من سورة آل عمران في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى، لمَّا قدِم على النبي صلى الله عليه وسلم وفدٌ من نصارى نجران، وناظروه في المسيح- عليه السلام- وأنزل الله تعالى فيه ما أنزل، فبين فيه قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود، والنصارى ؛ وذلك قوله تعالى:﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾( مريم: 34 ). 
أما اليهود فقد ارتضوا الجريمة مركبًا، فقتلوا أنفسهم، وقتلوا الحق معهم، وقالوا في المسيح: إنه ولِدَ- كما يولَد الناس- من ذكر وأنثى، وإن ميلاده كان على فراش الإثم والفاحشة، مع قولهم لعنهم الله: إنه ساحرٌ وكذاب. وأما النصارى فقد قصُرَت مداركهم عن إدراك قدرة الله تعالى، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة، وهي أن الله تعالى قدير على كل شيء، يخلق ممَّا يشاء، وكيف يشاء ما يشاء من يشاء، فقالوا في المسيح: إنه ابْنُ الله ؛ كما قالت اليهود: عُزَيْرٌ بْنُ الله، فردَّ الله تعالى عليهم قولهم، ووبَّخهم على افترائهم وكذبهم بقوله:﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾( التوبة: 30). وقالوا أيضًا: إن الله هو المسيح، تجسَّد بشرًا في جسد عذراء، وإنه ثالث ثلاثة، مع دعوة المسيح- عليه السلام- لهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وتحذيره لهم من الشرك وعواقبه الوخيمة. وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه:
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( المائدة:72-73 ) 
وقد نهى الله تعالى النصارى عن الغلوِّ في دينهم، وأن يقولوا على الله تعالى غير الحق، وبين في أكثر من آية أن المسيح بن مريم رسول كغيره من الرسل، خلقه بكلمة منه، وبنفحة من روحه ؛ كما خلق هذا الوجود كله بنور من نوره، وفيض من فيضه، فقال سبحانه:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ﴾( النساء:171 )
وأقرب مثل لعيسى عند الله تعالى هو مثل آدم:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. والعرب تضرب الأمثال لبيان ما خفيَ معناه، ودقَّ إيضاحه. ولمَّا خفي سِرُّ ولادة عيسى- عليه السلام- من غير أب ؛ لأنه خالف المعروف، ضرب الله تعالى له المثل بآدم الذي استقرَّ في الأذهان، وعُلِمَ أنه خُلِقَ من غير أب، ولا أمٍّ.
ثانيًا- وقوله تعالى:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مشبَّهٌ. وقوله:﴿ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ مشبَّه به. ولا بد من مشابهة معنوية بين من ضُرِبَ له المثل، ومن ضُرِبَ به من وجه واحد، أو أكثر، ولا يُشْترَط المشابهة بينهما في جميع الوجوه. والمعنى الذي وقعت فيه المشابهة بين آدم، وعيسى- عليهما السلام- كونُ كل واحد منهما خلق من غير أب ؛ ولهذا صحَّ أن يكون كل واحد منهما طرفًا في تشبيه واحد أداته الكاف التي دلَّت على أن ما بينهما تشابهٌ في الخَلْق في أحد الوجوه.
فالتشبيه بينهما واقع على أن المسيح خلق من غير أب ؛ كما خلق آدم من غير أب، ولم يكن التشبيه واقع بينهما على أن المسيح خلق من تراب، فكان بينهما فرق من هذه الجهة. وإن كان قد شبِّه الأول بالثاني لكونه خلق من تراب، فلأن خلقهما يرجع في الحقيقة إلى التراب. وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة، قال:« الناس ولد آدم، وآدمُ من تراب ». 
فإذا جاز ادعاء البُنُوة والإلهيَّة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ادِّعائها في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل. وإذا كان ذلك باطلاً، فدَعْواه في عيسى أشدُّ بطلانًا، وأظهر فسادًا، لأنه خلق من غير أب، وآدم خلق من غير أب وأم.
ومن هنا كان الغرض من التشبيه في هذا المثل هو إقامة الدليل والحجة على المحاجين بخلق عيسى عليه السلام من غير أب، مع اعترافهم بخلق آدم من غير أب وأم، فشبه الغريب بالأغرب، والبعيد بالأبعد. فإذا اعترف بالأغرب والأبعد، كان الاعتراف بالغريب والبعيد أولى، وهذا يقتضي حسم النزاع.
وأما قوله تعالى:﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فالمراد به: أن نسبة المسيح إلى الله تعالى لا تزيد على نسبة آدم إليه شيئًا، في كونه خلْقًا غيرَ معتاد للمحاجِّين فيه. وإنما ذكر تعالى هذا القيد الذي قيَّد به مثل عيسى ؛ لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجبًا للمسيح نسبة خاصة عند الله، وهي البُنُوَّة والإلهيّة، فكان لابد من ذكر هذا القيد.
فإن قيل: لماذا خلق الله تعالى عيسى من أنثى بلا ذكر خلافًا للمعتاد ؟ فالجواب عن ذلك: أن الله جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه، وأن يبين عموم هذه القدرة في خلق النوع البشري على الأقسام الممكنة، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى ؛ كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾( النساء: 1 )، وخلق عيسى– عليه السلام- من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى ؛ كما قال:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ﴾( الحجرات: 13 ). 
ثالثًا- وأما قوله تعالى:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فهو تفصيلٌ لما أُجْمِلَ في المثل، وتفسيرٌ لما أُبْهِمَ فيه، ببيان وَجْهِ الشَّبَه. والضمير في ﴿ خَلَقَهُ﴾ لآدم، لا لعيسى ؛ إذ قد عَلِمَ الكلُّ أن عيسى لم يُخلَق من تراب، فدل ذلك على أن محل التشبيه هو قوله تعالى:﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. 
والخَلْقُ في اللغة أصلُه: التقديرُ المستقيمُ. ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء ؛ كقوله تعالى:﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾( الأنعام: 1 ). ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء ؛ كقوله تعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴾( الروم: 20 )، وقوله تعالى:﴿ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾( النساء: 1 ). 
ولسائل أن يسأل: لمَاذا قال تعالى هنا:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾، ولم يقل:﴿ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ، أو من صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾؛ كما أخبر تعالى في قوله:﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ ﴾( ص: 71 )، وقوله عز وجل:﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ﴾( الحجر: 28 ) ؟ 
والجواب عن ذلك: إنما عُدِل عن ذكر الطين الذي هو مجموع الماء والتراب، والصلصال الذي هو الطين اليابس، إلى ذكر مجرَّد التراب، لمعنى لطيف ؛ وذلك أنه أدنى العنصرين، وأكثفهما. فلما كان المقصود محاجَّة من ادَّعى في المسيح- عليه السلام- البُنُوَّةَ والإلهية، مثَّله بآدم، ثم أتى بما يصَغِّر من أمر خلقه عند من اعترف بخلقه من غير أب وأم ؛ فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمسَّ في المعنى من غيره من العناصر ؛ ونحو ذلك قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾( الحج: 5 ). ونظير الآية قوله تعالى:﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ﴾( الرعد: 45 )، فإنه سبحانه إنما اقتصر على ذكر الماء دون بقية العناصر؛ لأنه أتى بصيغة الاستغراق، وليس في العناصر الأربعة ما يعمُّ جميع المخلوقات إلا الماء ؛ ليدخل فيها الحيوان البحري.. وفي ذلك من مشاكلة اللفظ للمعنى ما لا يخفى على من يعرف جوهر الكلام، ويدرك أسرار البيان.
وقوله تعالى:﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ معطوف على قوله:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ بـ﴿ ثُمَّ ﴾، وهي لترتيب المُخْبَر عنه، أو للتراخي الرُّتَبِي ؛ لأن المعنى: ابتدأ خلقه بشرًا من جنس التراب، ثم قال له:﴿ كُنْ ﴾، فكان إنسانًا بنفخ الروح فيه. فإنَّ تكوينه بقول:﴿ كُنْ ﴾ أرفع رتبة من قول:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ الذي هو أسبق في الوجود. والتَّكوين المشار إليه بـ﴿ كُنْ ﴾ هو تكوينه على الصفة المقصودة بإيجاد الروح فيه، ونقله من طور البشرية إلى طور الإنسانية. فبهذه الكلمة كان عيسى كلمةً من الله تعالى، وبهذه الكلمة كان آدمُ أيضًا كلمةً من الله تعالى.
وعلى هذا الذي ذكرناه يكون الترتيب في الآية الكريمة ترتيبًا زمانيًّا ؛ إذ بينَ خلق آدم بشرًا من تراب، وجعله إنسانًا بإيجاد الروح فيه، زمان طويل ؛ ولهذا لم يكن خلقه إبداعيًّا كما كان خلق المسيح عليه السلام.
ومذهب أكثر المفسرين على أن ﴿ ثُمَّ ﴾ لترتيب الخبر. وإلى هذا ذهب البغوي، فقال في ذلك ما نصُّه:« فإن قيل: ما معنى قوله:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، ولا تكوين بعد الخلق ؟ قيل: معناه: خلقه، ثم أخبركم أني قلت له: كن فكان، من غير ترتيب في الخلق ؛ كما يكون في الولادة، وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهمًا، ثم أعطيتك أمس درهمًا. أي: ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهمًا ». 
وفساد هذا القول ظاهر لمن تأمله أدنى تأمل ؛ وإلا فكيف يقاس كلام الله الذي هو الأعلى في البلاغة والفصاحة بقول مصطنع لا يمتُّ إليهما بأية صلة ؟ كيف يكون قوله تعالى:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، مثل قول الرجل:« أعطيتك اليوم درهمًا، ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهمًا » ؟ 
تأمل الآية جيدًا، ثم انظر كيف تفكَّك نظمها، ومُسِخَ معناها مَسخًا بهذا التقدير، هكذا: خلقه اليوم من تراب، ثم أخبره أمس أنه قال له: كن فيكون. فالمعنى على هذا التقدير:﴿ قَالَ لَهُ ﴾ في الأزل:﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، ﴿ ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾. 
أما قوله تعالى:﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ فهو ظاهر المعنى، لا يحتاج إلى تأويل، وقد بينا السر في اختيار لفظ التراب دون لفظ الطين ولفظ الصلصال.. وأما قوله تعالى:﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فظاهر ﴿ كُنْ ﴾ يقتضي أن يكون المكوَّن واقعًا في الحال، فأمره سبحانه بين الكاف والنون. وظاهر ﴿ فَيَكُونُ ﴾ يقتضي أن يكون المكوَّن واقعًا في المستقبل المتراخي. وفي ذلك ما يسأل عنه: كيف يقول سبحانه للشيء:﴿ كُنْ ﴾، ثم لا يكون واقعًا في الحال ؟ ولو كان ما أمر الله تعالى به واقعًا في الحال، لكانت صياغة الآية هكذا:﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكان ﴾، فكيف يكون هذا ؟ وهل أمام قدرة القادر العظيم حواجز وحوائل، تحول بين القدرة، وبين إمضاء ما قدرت على الفور وفي الحال ؟
وقد اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في الإجابة عن هذا السؤال، وذهب أكثرهم إلى القول بأن المراد بقوله تعالى:﴿ فَيَكُونُ ﴾ حكاية حال ماضية، وأن أصل الكلام:( كُنْ، فَكَانَ ). قالوا: وإنما عبَّر بصيغة المضارع المقترن بالفاء دون الماضي، بأن يقال:( فَكَانَ ) ؛ لأن التعبير بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت. ومن جهة أخرى، فإن صيغة المضارع في هذا المقام، تُنْبِىءُ عمَّا كان، وتُومِىءُ إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله تعالى المستمر في المستقبل ؛ كما كان في الماضي.
ولكن هذا الذي قرَّروه- وإن كان يبدو لأول وهلة قولاً صحيحًا- هو خلافُ الظاهر، ويأباه نظم الكلام ومعناه. وبيانه: أن قول الله تعالى للشيء ﴿ كُنْ ﴾ لا يقتضي وقوع ذلك الشيء في الحال ؛ إذ قد يكون الأمر موقوتًا بوقت، أو يكون متعلقًا بأسباب لا بدَّ أن يقترن حدوثه بها. وهذه الأسباب لا متعلَّق لها بقدرة الله ؛ وإنما مُتعلَّقُها بالشيء ذاته الذي دعته القدرة إلى الظهور، والذي قضت حكمة الله ألَّا يظهر ؛ إلا بعد أن يستكمل أسبابه المقترنة به، وهذا ما يشير إليه قول الله تبارك وتعالى:﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾( يس: 82 ). وذلك الشيء المراد معلومٌ قبل إبداعه، وقبل توجيه هذا الخطاب إليه. وبذلك كان مُقدَّرًا مَقضِيًّا ؛ فإن الله سبحانه يقول، ويكتب ممَّا يعلمه ما شاء ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر:« إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ». 
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:« كان الله، ولم يكن شيء معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض ». 
وفي سنن أبي داود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:« أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب ؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة ». 
إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبيِّن أن المخلوق قبل أن يخلَق، كان مَعلومًا، مُخْبَرًا عنه، مَكتوبًا فيه شيء، باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي، وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني، ليس ثابتًا في الخارج ؛ بل هو عدمٌ مَحضٌ، ونَفْيٌ صِرفٌ. وإذا كان كذلك، كان الخطاب مُوَجَّهًا إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة وخُلِق، ثم كُوِّن ؛ كما قال تعالى:﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾( النحل:40 ). فالذي يُقال له:﴿ كُنْ ﴾ هو الذي يُرادُ. وهو حين يُرادُ قبل أن يُخلَق، له ثُبوتٌ وتَميُّزٌ في العلم والتقدير. ولولا ذلك، لما تميَّز المُرَادُ المَخلوقُ من غيره.
فثبت بذلك أن الله تعالى، إذا أراد أن يْكوِّن شيئًا معلومًا لديه، توجَّه سبحانه إلى ذلك الشيء بالخطاب بقوله:﴿ كُنْ ﴾، ﴿ فَيَكُونُ ﴾. أي: يوجد ذلك المُكَوَّنُ عَقِبَ التكوين، لا مع ذلك في الزمان ؛ ولهذا أتى سبحانه بصيغة الاستقبال مسبوقة بفاء التعقيب. وكونُ الفاء للتعقيب يُوجِبُ أن يكون الثاني عَقِبَ الأول، لا معه.
بقي أن تعلم أن ( الفاء ) تفيد التعقيبَ، والتسبيبَ. فلو قيل:( كن، فكان )، لم تدلَّ الفاء إلا على التسبيب، وأن القول سببٌ للكون. فلما قال عز وجل:﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، دلَّت الفاء مع التسبيب على استعقاب الكون للأمر. وهذا لا يعني استعقابه في الحال، من غير مهلة ؛ لأن بناء المضارع لا يدل بصيغته على الحال، إذا لم يوجد معه قرينة تقيده به، وتقصره عليه ؛ وإلا فإنه يدل على الدوام والاستمرار بلا انقطاع ؛ لأنه موضوع لما هو كائن، لم ينقطع. وعليه فإن بناء الفعل ( يكون ) لا يدل بصيغته على الحال ؛ وإنما يدل على المستقبل المتراخي. وهذا يعني أن آدم خلق وسُوِّيَ بشرًا من تراب الأرض وطينها، ثم صاِر إنسانًا عاقلاً بنفخ الروح فيه ؛ وذلك هو المراد بقوله تعالى:﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، بعد ذلك أمرت الملائكة بالسجود له، وهذا ما نصَّت عليه الآية الكريمة:
﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾( ص: 71- 72 ). والآية الكريمة:
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾( الحجر: 28- 29 ).
ولو امتثل الناس قول الله تعالى:﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾(العنكبوت: 20 )، لعرفوا كيف ابتدأ الخلقُ، ولو عرفوا، ما اختلف اثنان منهم في تفسير هذه الآية الكريمة، وغيرها من الآيات التي لا تنطق بالحق إلا لمن استنطقها من أولي النهى والبصائر ؛ كقول الله تبارك وتعالى:﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾( السجدة: 7- 8 ). وقوله جل وعلا:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾( المؤمنون: 12- 13 ).. إلى غير ذلك من الآيات التي نمر عليها، ونحن عنها غافلون.
رابعًا- ثم بين تعالى أن ما أخبر به عباده في أمر عيسى- عليه السلام- هو الحق الذي لا يحوم حوله باطلٌ، فقال سبحانه:﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ﴾. فـ﴿ الْحَقُّ ﴾ على هذا خبر لمبتدأ محذوف. أي: ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام ﴿ الْحَقُّ ﴾، فحذف ؛ لكونه معلومًا. و﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ حال من الحق.. وقيل: هو مبتدأ، استؤنف بعد انقضاء الكلام، وخبره قوله تعالى:﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾. وهذا كما تقول: الحق من الله، والباطل من الشيطان. وقيل غير ذلك.
أما الامتراء فهو الشك الذي يدفع الإنسان إلى المجادلة المَبْنيَّة على الأوهام، لا على الحقائق ؛ ومنه: المِراء. قال تعالى:﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ أَحَدًا ﴾( الكهف: 22 )، وأَصله في اللغة: الجِدال، وهو مأخوذ من قول العرب: مَرَيْتُ الناقة والشاة، إذا أردت حلبها ؛ فكأن الشاكَّ يجتذب بشكِّه مراءً كاللبن الذي يجتذب عند الحلب. يقال: قد مارى فلان فلانًا، إذا جادله ؛ كأنه يستخرج غضبه. ومنه قيل: الشكر يمتري المزيد. أي: يجلبه.
وقد أكد سبحانه وتعالى أن ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق بتأكيدات ثلاثة: أولها: التعريف في لفظ ﴿ الْحَقُّ ﴾. أي: ما أخبرناك به هو الحق الثابت الذي لا يخالطه باطل. وثانيها: كونه من عند الله تعالى. وكل شيء من عنده سبحانه فهو صدق، لا ريب فيه. وثالثها: النهى عن الامتراء والشك في ذلك الحق ؛ لأن من شأن الأمور الثابتة أن يتقبلها العقلاء بإذعان وتسليم وبدون جدل، أو امتراء.
وأما النَّهْيُ عن الامتراء في قوله تعالى:﴿ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ﴾ فهو موجَّه في ظاهره إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال الرازي:« وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكًا في صحة ما أنزل عليه ؛ وذلك غير جائز. واختلف الناس في الجواب عنه: فمنهم من قال: الخطاب، وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أنه في المعنى مع الأمة. والثاني: أنه خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، والمعنى: فدُمْ على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الامتراء ».
وقال الألوسي:« ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه صلى الله عليه وسلم، بل ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين: إحداهما: أنه صلى الله عليه وسلم، إذا سمع مثل هذا الخطاب، تحركت منه الأريحية، فيزداد في الثبات على اليقين نورًا على نور. والفائدة الثانية: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم، فينزع وينزجر عمَّا يورث الامتراء ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني، إذا خوطب بمثله، فما يظن بغيره ؟ ففي ذلك ثبات له صلى الله عليه وسلم، ولطف بغيره ». 
وقيل: بل المقصود من هذا النهي: التعريض بالنصارى الذين قال الله تعالى فينهم:﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾( مريم: 34 ). والله تعالى أعلم بمراده، وما ينطوي عليه كلامه من أسرار، سبحانه وتعالى !
محمد إسماعيل عتوك
باحث
في الإعجاز البياني للقرآن

مركز تحميل الصور الاسلامية

تحدي بين مدرس يهودي وطالب مسلم

su-34

أركان الإسلام

a7dathalnihaya